" زنا المحارم " المسكوت عنه والهيكل العائلي المُنهار

وكالة أخبار المرأة" تكسر التابوهات المغلقة " زنا المحارم " المسكوت عنه والهيكل العائلي المُنهار  تحقيق: الثريا رمضان - تونس - وكالة أخبار المرأة  كثيرا ما نسمع عن جرائم الاغتصاب المنتشرة في أنحاء البلاد، وما يتولّد عنها من تحاليل غالبا ما ترمي المُغتصَبَة بوابل من التُهم، أوّلها أنّها هي من أثارت المُغتصبين بمظهرها (حسب ما تحدثت " وكالة أخبار المرأة " معهن خلال هذا التحقيق). وكثيرا ما نسمع عن حوادث اغتصاب الأطفال، ونسمع التحاليل التي تعتبر المُغتصِب مُختلاّ ذهنيّا. لكنّ حكايات زنا المحارم هي الأكثر وطأة على النفوس، لأنها تدخل في العلاقات التي لا يمكن لأحد أن يتخيّل تحوّلها إلى علاقات جنسيّة. علاقة الأب بابنته، الخال ببنت أخته، الأخ بأخته وكلّ هذه الأُطر العائلية التي تدفع السّامع لعدم تصديق اختلالها مع التركيبة الأخلاقيّة والدينيّة التي تبني مُجتمعا برمّته. 7% من حالات العنف الجنسي في تونس تدخل في زنا المحارم وهي تكثر خصوصا في الجهات الداخلية للبلاد وفي القُرى. " وكالة أخبار المرأة " فتحت هذا الملفّ من خلال زيارة لمركز التوجيه والاستماع للنساء ضحايا العنف التابع للجمعيّة التونسية للنساء الديمقراطيّات، حيث التقت هناك بمجموعة من المختصّات سواء في المجال النفسي أو القانوني للتعرّف عن قرب على هذا النوع من العنف الذي يطال المرأة، وفتح ملفّات بعض الحالات التي وردت على المركز.  أميرة النفزاوي، منسّقة المركز، أخذتنا في جولة افتراضية، لنحاول أن نلبس جلباب إحدى الحالات منذ ولوجها عتبة المكان حتّى الوصول إلى فتح قضيّة لدى المحاكم المُختصّة. البداية كانت عند استقبال إحدى المسؤولات للحالة لترافقها في عملية استخراج ما تحتاجه من وثائق إداريّة وتبحث لها عن مركز إيواء خاص إن طلبت ذلك. بعد ذلك يحلّ الركب عند إحدى "مناضلات الجمعية" كما وصفتها أميرة للاستماع للحالة، وهنا ركّزت على كلمة استماع لأنّ المسؤولة لا تتدخّل أبدا بل تستمع فقط للمرأة، فهي وحدها التي تقرّر ما تريد فعله سواء رفع قضيّة أو علاج نفسي أو فضفضة وحسب. تقوم المُستمِعة أيضا بالتعريف بالجمعية وإمكانياتها، ذلك أن الجمعية لا توفّر مساعدات مالية بل تقوم بتوجيه الحالة لفهم وضعيتها وحقوقها وما يمكنها القيام به ضدّ من أصابها بالضرر. إنّها أهمّ مرحلة فهي التي تُحدّد فيها الحالة مطالبها وتتّخذ فيها قرارها بالاستمرار حتى نهاية الرحلة لاسترداد حقوقها بالكامل أو التراجع، لكن بعض الحالات لا تعود إلى المركز بعدها، "80 % فقط يعُدْن ولو بعد سنتيْن أو ثلاثٍ" حسب مُنسّقة المركز. في المرحلة الثالثة، تلتقي المرأة المتضرّرة بمحامية من الطقم القانوني المتطوّع بالمركز، لتستمع إليها وتُوجّهها حسب طلبها، وبعض الحالات يتمّ المرافعة فيهنّ رسميّا باسم الجمعية وخصوصا الحالات المروّعة. بعد مرحلة لإرشاد القانوني، يأتي دور الطبيبة النفسانية وهما اثنتان في الجمعية، تتولّيان مهمة الإحاطة النفسية الكاملة بطلب من المُتضرّرة في الحالات المستعصية، لنصل إلى المرحلة النهائيةّ وهي اجتماع اللجنة (يتمّ كل أسبوع) لمناقشة كيفيّة التدخّل. السكوت لطمس الفضيحة رفض المُتضرّرات الحديث معنا ولو دون ذكر أسماء لم يكن غريبا، ذلك أن هذا النوع من العنف يدخل في باب المُحرّمات الدينيّة والاجتماعيّة أيضا، ممّا يجعل الكثيرات منهنّ يُخيّرن السكوت على "الفضيحة والعار". كلّ الحالات تدخل في باب المأساة، لكنّ بعضها لا يمكن للعقل البشريّ تقبّلها، ومنها كما ذكرت لنا أميرة النفزاوي حالة وردت على المركز في سنة 2011، كان الأب يتحرّش ببناته التوائم الثلاثة منذ سنّ الرابعة حتى وصلن إلى تسع سنوات، ولم تكتشف الأم ذلك إلا عندما أخبرتها إحداهنّ بالأمر. "كان الأب يفضّل التحرّش أكثر بأجمل بناته التوائم" تقول أميرة مضيفة "إنها عائلة ميسورة تعيش في العاصمة، والأب والأم مستواهما التعليمي والعملي عالٍ"، ولم تسكت الأم بل التجأت إلى الجمعية للنصيحة، ورفعت قضية على زوجها حتى حصلت على الطلاق ومنعته نهائيا من رؤية بناته. قضيّة أخرى حصلت في إحدى قرى الريف التونسي جذورها مؤلمة، فالأب كان يتحرّش بابنه منذ سنّ التسع سنوات، هذا الطفل الذي كان ثمرة اغتصاب، والذي وصل به الحال إلى الدخول إلى مستشفى الأمراض النفسية والعصبية. "هنالك تكتّم على هذه القضايا خصوصا من الأمهات"  القانون في تونس يُعاني نقصا، حسب المحامية آمنة الزهروني، إذ يقدّم نصوصا عامّة لا تفي بالغرض، وبالتالي ترى آمنة أنه يجب تنقيح المجلة الجزائية لمراعاة المعايير النفسية والاجتماعية الحديثة. من جهته، جرّم القانون التونسي الاغتصاب والمفاحشة والتجاهر بما ينافي الحياء واللواط والمساحقة والفرار بقاصرة والمواقعة برضا الفتاة التى لم تبلغ سن الرشد، فضلا عن الزنا والخناء والزواج على خلاف الصيغ القانونية. وكانت الجمعية التونسية للنساء الديمفراطيات نظمت سنة 2004 حملة واسعة لتجريم التحرّش الجنسي، لعبت دورا فاعلا في تنقيح المجلة الجزائية، من خلال القانون عدد 73 لسنة 2004 والمتعلق بتنقيح وإتمام المجلة الجزائية بخصوص تجريم الاعتداءات على الأخلاق الحميدة والتحرش الجنسي. وهو قانون يحمي المرأة في مواقع الدراسة والعمل وداخل المجتمع. ويتمّم هذا القانون المجلة الجزائية ويدخل عقوبات جديدة بالسجن وبالخطية لكلّ من يعتدي على الأخلاق الحميدة وكلّ مرتكب لتحرش جنسي تكون المرأة أو الطفل متضررين منه. ويضبط القانون مفهوم التحرش الجنسي ويشدّد العقاب عند ارتكابه ضد طفل أو قاصر ذهنيا أو بدنيا. وأتت هذه الإضافات على الفصل 226 من المجلة الجزائية. وهي تعتبر تتمة للمنظومة الجزائية الحمائية للمرأة والطفل ضد كلّ استغلال جنسي أو اعتداء أخلاقي. وأضافت الزهروني أن الجمعية لم تتوقّف حملاتها التوعويّة ضد العنف الجنسي وآثاره على الصحة الجسدية والنفسية للنساء. وتقول "إنها قضايا مسكوت عنها تماما من طرف المتضررات تسقط في فخّ التجاهل الاجتماعي لأنها مرتبطة بالثلاثية المحرّمة (الجنس، السياسة، الدين)، وبالتالي مرتبط بجسد المرأة". وتأخذنا أمنة الزهروني إلى بعض الملفّات التي تمّ فتحها داخل المركز، وتروي لنا كيف تعدّى أبٌ على ابنته ، وعلى ابنه أيضا وحين اكتشفت زوجته الأمر واشتكت أمره إلى الشرطة، اتهمها بأنها تخونه مع عشيق لها وكان مآل القضية عدم سماع الدعوى. أما الملفّ الأخطر، فهو ملفّ سائق الأجرة الذي كان يتعدّى على ابنته جنسيّا، وتعمّدت الأم كيّ ابنتها بسكين حامية حين أخبرتها بالقصة حتى لا تخبر أحدا، خصوصا بعد أن أراد الأب الاعتداء على الأخت مما جعل الفتاة تشتكي، وتمّ بالفعل إدانة الأب. هذه القضية تفتح باب ملفّ أخطر وهو العقلية التي تحملها الأم حول مفهوم العيْب والحرام، حسب قول المحامية الزهروني، للحفاظ على الإطار الأسريّ أمام المجتمع مهما كان ما يُبطنه من خلل أخلاقي.  هنالك حالات تُكتشف مصادفة، ومنها حالة إحدى الفتيات التي كان أخوها يتحرّش بها، واكتشفتها آمال الزهروني خلال فترة تدريب بأحد الأحياء الشعبية. تقول: "لاحظت أنها تُغمض عينيها بشكل دائم، كلّمتها مرة وسألتها عن السبب فأخبرتني أن النور يؤلم عينيها، وكانت تتكلّم بشكل غير طبيعي (تْوَكْوِكْ)، فحاولت أن أستفسر منها الأمر، فبكت وقالت أنها لا تريد أن تُبصِر". هي فتاة في التاسعة عشر من عمرها، كان أخوها يتحرّش بها، وحين اشتكت لأمها ضربتها بأنبوب الريّ. "لم أستطع متابعة الحالة بسبب بُعد المسافة، كما أن البنت صارت تتحاشاني" تقول أمال، مردفة "إنها مشكلة وعي بالأساس، فهنالك تكتّم على هذه القضايا خصوصا من الأمهات، إذ يغرزن رؤوسهن في الأرض كما النعامة خوفا من كلام الناس". "لا يوجد نموذج محدّد للمُغتصِب"  كان لزاما علينا، خلال هذه الجولة داخل مركز التوجيه والاستماع للنساء ضحايا العنف، أن نقف على التداعيات النفسيّة التي يسبّبها العنف الجنسي على الأقارب، والتعمّق في إشكاليات نفسيّة أخرى تتعلّق بالمسألة، من خلال لقاء مع حياة الورتاني الأخصائية النفسانية بالمركز. قبل تحليل نفسيّة الضحية كان لا بُدّ من فهم نفسية الجاني نفسه، فطرحنا السؤال "لماذا يقوم شخص ما باغتصاب أقرب الناس إليه؟" أجابت حياة "حسب الدراسات، لا يوجد نموذج مُوحّد، ربّما تكون نسبة منهم قد تعرّضت للعنف، أو بعضهم لم يقتنع بقانون الطبيعة والأخلاقيات الحاكمة للإنسان، والبعض الآخر يرى في المرأة ملكية خاصّة يستخدمها كما يشاء" وتواصل حياة "هذا مرتبط بالنظرة الدونية للمرأة واعتبارها عورة، وبالتالي كثيرا ما يبحث الناس عن السبب في جسد المرأة كمُثير أساسي، لكنني أؤكّد أن العنف لا يجب أن يُبرّر". لهذا العنف، حسب الأخصائية الاجتماعية، تأثيرات نفسية وجسدية على الضحايا قد تؤدّي إلى تكوّن عُقد نفسيّة لديها. أما أهمّ التأثيرات، فهي حالات الاكتئاب، وتفسّرها حياة لنا بإسهاب "تغرق الضحيّة في حالة من الحزن تدوم لأكثر من خمسة عشر يوما، وحالة من التعب النفسي تظهر مع قلّة التركيز والنسيان، وحالة من التعب الجسدي تبرز في الإرهاق الزائد. يصبح الشخص أيضا حسّاسا أكثر من اللازم فيبكي دون أي سبب." بعد الصدمة التي عاشتها الضحية، تدخل في حالة توتّر كبيرة يُصاحبها الإحساس بالاختناق والشعور بالإغماء كأنما الموت قريب منها، كما تعيش الضحية دائما المشهد نفسه أمام عينيها، وتمرّ بأزمة نفسية قوية تسبّب لها الأرق والألم الشديد، لكنها ليست بالحدة التي توصلها إلى الاكتئاب، وهنالك أيضا إحساس بالخجل يتملّك الضحية. إن أساس هذه المشاكل النفسية، هو أن الاغتصاب مُورِس من أقرب الناس للضحيّة، والذي "من المفترض أن يكون الحامي" حسب وصف حياة الورتاني، مُردِفة أن الطفل في هذه الحالة يفقد قدرته على فهم معنى الأبوّة الطبيعيّة، ويتملّكه الإحساس بالذنب إن هو اشتكى، خصوصا وأن المجتمع والجانب القضائيّ نفسه يُعمّق هذا الشعور، وتستنكر الأم ما حصل وتحاول عدم تصديقه، مما يحطّم الضحية مع الوقت. حالة أخرى مرّت بالمركز سنة 2010 حصلت في مدينة صفاقس في جنوب تونس، وهي قضيّة "عطّار" أي صاحب دكّان مواد غذائية لم يكتف بالتحرّش بفتاة في سنّ العاشرة بل أقام معها علاقة جنسيّة كاملة. ما يلفت الانتباه في هذه الحالة أن الجدّة اكتشفت الأمر حين لاحظت أن البنت كانت تلاعب ابن عمّها لعبة الجنس، هذه القضية لا تدخل في إطار زنا المحارم، لكنها تفتح الباب لملفّ جديد قد نطرحه في وكالة أخبار المرأة "ما هي تداعيات زنا المحارم على الضحايا؟ وكيف يمكن معالجتهم وإعادة المفاهيم الطبيعية للأخلاق إلى نِصابها لديهم؟"

تحقيق: الثريا رمضان - تونس - وكالة أخبار المرأة 

كثيرا ما نسمع عن جرائم الاغتصاب المنتشرة في أنحاء البلاد، وما يتولّد عنها من تحاليل غالبا ما ترمي المُغتصَبَة بوابل من التُهم، أوّلها أنّها هي من أثارت المُغتصبين بمظهرها (حسب ما تحدثت " وكالة أخبار المرأة " معهن خلال هذا التحقيق). وكثيرا ما نسمع عن حوادث اغتصاب الأطفال، ونسمع التحاليل التي تعتبر المُغتصِب مُختلاّ ذهنيّا. لكنّ حكايات زنا المحارم هي الأكثر وطأة على النفوس، لأنها تدخل في العلاقات التي لا يمكن لأحد أن يتخيّل تحوّلها إلى علاقات جنسيّة. علاقة الأب بابنته، الخال ببنت أخته، الأخ بأخته وكلّ هذه الأُطر العائلية التي تدفع السّامع لعدم تصديق اختلالها مع التركيبة الأخلاقيّة والدينيّة التي تبني مُجتمعا برمّته. 7% من حالات العنف الجنسي في تونس تدخل في زنا المحارم وهي تكثر خصوصا في الجهات الداخلية للبلاد وفي القُرى.

" وكالة أخبار المرأة " فتحت هذا الملفّ من خلال زيارة لمركز التوجيه والاستماع للنساء ضحايا العنف التابع للجمعيّة التونسية للنساء الديمقراطيّات، حيث التقت هناك بمجموعة من المختصّات سواء في المجال النفسي أو القانوني للتعرّف عن قرب على هذا النوع من العنف الذي يطال المرأة، وفتح ملفّات بعض الحالات التي وردت على المركز.

أميرة النفزاوي، منسّقة المركز، أخذتنا في جولة افتراضية، لنحاول أن نلبس جلباب إحدى الحالات منذ ولوجها عتبة المكان حتّى الوصول إلى فتح قضيّة لدى المحاكم المُختصّة. البداية كانت عند استقبال إحدى المسؤولات للحالة لترافقها في عملية استخراج ما تحتاجه من وثائق إداريّة وتبحث لها عن مركز إيواء خاص إن طلبت ذلك. بعد ذلك يحلّ الركب عند إحدى "مناضلات الجمعية" كما وصفتها أميرة للاستماع للحالة، وهنا ركّزت على كلمة استماع لأنّ المسؤولة لا تتدخّل أبدا بل تستمع فقط للمرأة، فهي وحدها التي تقرّر ما تريد فعله سواء رفع قضيّة أو علاج نفسي أو فضفضة وحسب. تقوم المُستمِعة أيضا بالتعريف بالجمعية وإمكانياتها، ذلك أن الجمعية لا توفّر مساعدات مالية بل تقوم بتوجيه الحالة لفهم وضعيتها وحقوقها وما يمكنها القيام به ضدّ من أصابها بالضرر. إنّها أهمّ مرحلة فهي التي تُحدّد فيها الحالة مطالبها وتتّخذ فيها قرارها بالاستمرار حتى نهاية الرحلة لاسترداد حقوقها بالكامل أو التراجع، لكن بعض الحالات لا تعود إلى المركز بعدها، "80 % فقط يعُدْن ولو بعد سنتيْن أو ثلاثٍ" حسب مُنسّقة المركز. في المرحلة الثالثة، تلتقي المرأة المتضرّرة بمحامية من الطقم القانوني المتطوّع بالمركز، لتستمع إليها وتُوجّهها حسب طلبها، وبعض الحالات يتمّ المرافعة فيهنّ رسميّا باسم الجمعية وخصوصا الحالات المروّعة. بعد مرحلة لإرشاد القانوني، يأتي دور الطبيبة النفسانية وهما اثنتان في الجمعية، تتولّيان مهمة الإحاطة النفسية الكاملة بطلب من المُتضرّرة في الحالات المستعصية، لنصل إلى المرحلة النهائيةّ وهي اجتماع اللجنة (يتمّ كل أسبوع) لمناقشة كيفيّة التدخّل.

السكوت لطمس الفضيحة

رفض المُتضرّرات الحديث معنا ولو دون ذكر أسماء لم يكن غريبا، ذلك أن هذا النوع من العنف يدخل في باب المُحرّمات الدينيّة والاجتماعيّة أيضا، ممّا يجعل الكثيرات منهنّ يُخيّرن السكوت على "الفضيحة والعار". كلّ الحالات تدخل في باب المأساة، لكنّ بعضها لا يمكن للعقل البشريّ تقبّلها، ومنها كما ذكرت لنا أميرة النفزاوي حالة وردت على المركز في سنة 2011، كان الأب يتحرّش ببناته التوائم الثلاثة منذ سنّ الرابعة حتى وصلن إلى تسع سنوات، ولم تكتشف الأم ذلك إلا عندما أخبرتها إحداهنّ بالأمر. "كان الأب يفضّل التحرّش أكثر بأجمل بناته التوائم" تقول أميرة مضيفة "إنها عائلة ميسورة تعيش في العاصمة، والأب والأم مستواهما التعليمي والعملي عالٍ"، ولم تسكت الأم بل التجأت إلى الجمعية للنصيحة، ورفعت قضية على زوجها حتى حصلت على الطلاق ومنعته نهائيا من رؤية بناته. قضيّة أخرى حصلت في إحدى قرى الريف التونسي جذورها مؤلمة، فالأب كان يتحرّش بابنه منذ سنّ التسع سنوات، هذا الطفل الذي كان ثمرة اغتصاب، والذي وصل به الحال إلى الدخول إلى مستشفى الأمراض النفسية والعصبية.

"هنالك تكتّم على هذه القضايا خصوصا من الأمهات"

وكالة أخبار المرأة" تكسر التابوهات المغلقة " زنا المحارم " المسكوت عنه والهيكل العائلي المُنهار  تحقيق: الثريا رمضان - تونس - وكالة أخبار المرأة  كثيرا ما نسمع عن جرائم الاغتصاب المنتشرة في أنحاء البلاد، وما يتولّد عنها من تحاليل غالبا ما ترمي المُغتصَبَة بوابل من التُهم، أوّلها أنّها هي من أثارت المُغتصبين بمظهرها (حسب ما تحدثت " وكالة أخبار المرأة " معهن خلال هذا التحقيق). وكثيرا ما نسمع عن حوادث اغتصاب الأطفال، ونسمع التحاليل التي تعتبر المُغتصِب مُختلاّ ذهنيّا. لكنّ حكايات زنا المحارم هي الأكثر وطأة على النفوس، لأنها تدخل في العلاقات التي لا يمكن لأحد أن يتخيّل تحوّلها إلى علاقات جنسيّة. علاقة الأب بابنته، الخال ببنت أخته، الأخ بأخته وكلّ هذه الأُطر العائلية التي تدفع السّامع لعدم تصديق اختلالها مع التركيبة الأخلاقيّة والدينيّة التي تبني مُجتمعا برمّته. 7% من حالات العنف الجنسي في تونس تدخل في زنا المحارم وهي تكثر خصوصا في الجهات الداخلية للبلاد وفي القُرى. " وكالة أخبار المرأة " فتحت هذا الملفّ من خلال زيارة لمركز التوجيه والاستماع للنساء ضحايا العنف التابع للجمعيّة التونسية للنساء الديمقراطيّات، حيث التقت هناك بمجموعة من المختصّات سواء في المجال النفسي أو القانوني للتعرّف عن قرب على هذا النوع من العنف الذي يطال المرأة، وفتح ملفّات بعض الحالات التي وردت على المركز.  أميرة النفزاوي، منسّقة المركز، أخذتنا في جولة افتراضية، لنحاول أن نلبس جلباب إحدى الحالات منذ ولوجها عتبة المكان حتّى الوصول إلى فتح قضيّة لدى المحاكم المُختصّة. البداية كانت عند استقبال إحدى المسؤولات للحالة لترافقها في عملية استخراج ما تحتاجه من وثائق إداريّة وتبحث لها عن مركز إيواء خاص إن طلبت ذلك. بعد ذلك يحلّ الركب عند إحدى "مناضلات الجمعية" كما وصفتها أميرة للاستماع للحالة، وهنا ركّزت على كلمة استماع لأنّ المسؤولة لا تتدخّل أبدا بل تستمع فقط للمرأة، فهي وحدها التي تقرّر ما تريد فعله سواء رفع قضيّة أو علاج نفسي أو فضفضة وحسب. تقوم المُستمِعة أيضا بالتعريف بالجمعية وإمكانياتها، ذلك أن الجمعية لا توفّر مساعدات مالية بل تقوم بتوجيه الحالة لفهم وضعيتها وحقوقها وما يمكنها القيام به ضدّ من أصابها بالضرر. إنّها أهمّ مرحلة فهي التي تُحدّد فيها الحالة مطالبها وتتّخذ فيها قرارها بالاستمرار حتى نهاية الرحلة لاسترداد حقوقها بالكامل أو التراجع، لكن بعض الحالات لا تعود إلى المركز بعدها، "80 % فقط يعُدْن ولو بعد سنتيْن أو ثلاثٍ" حسب مُنسّقة المركز. في المرحلة الثالثة، تلتقي المرأة المتضرّرة بمحامية من الطقم القانوني المتطوّع بالمركز، لتستمع إليها وتُوجّهها حسب طلبها، وبعض الحالات يتمّ المرافعة فيهنّ رسميّا باسم الجمعية وخصوصا الحالات المروّعة. بعد مرحلة لإرشاد القانوني، يأتي دور الطبيبة النفسانية وهما اثنتان في الجمعية، تتولّيان مهمة الإحاطة النفسية الكاملة بطلب من المُتضرّرة في الحالات المستعصية، لنصل إلى المرحلة النهائيةّ وهي اجتماع اللجنة (يتمّ كل أسبوع) لمناقشة كيفيّة التدخّل. السكوت لطمس الفضيحة رفض المُتضرّرات الحديث معنا ولو دون ذكر أسماء لم يكن غريبا، ذلك أن هذا النوع من العنف يدخل في باب المُحرّمات الدينيّة والاجتماعيّة أيضا، ممّا يجعل الكثيرات منهنّ يُخيّرن السكوت على "الفضيحة والعار". كلّ الحالات تدخل في باب المأساة، لكنّ بعضها لا يمكن للعقل البشريّ تقبّلها، ومنها كما ذكرت لنا أميرة النفزاوي حالة وردت على المركز في سنة 2011، كان الأب يتحرّش ببناته التوائم الثلاثة منذ سنّ الرابعة حتى وصلن إلى تسع سنوات، ولم تكتشف الأم ذلك إلا عندما أخبرتها إحداهنّ بالأمر. "كان الأب يفضّل التحرّش أكثر بأجمل بناته التوائم" تقول أميرة مضيفة "إنها عائلة ميسورة تعيش في العاصمة، والأب والأم مستواهما التعليمي والعملي عالٍ"، ولم تسكت الأم بل التجأت إلى الجمعية للنصيحة، ورفعت قضية على زوجها حتى حصلت على الطلاق ومنعته نهائيا من رؤية بناته. قضيّة أخرى حصلت في إحدى قرى الريف التونسي جذورها مؤلمة، فالأب كان يتحرّش بابنه منذ سنّ التسع سنوات، هذا الطفل الذي كان ثمرة اغتصاب، والذي وصل به الحال إلى الدخول إلى مستشفى الأمراض النفسية والعصبية. "هنالك تكتّم على هذه القضايا خصوصا من الأمهات"  القانون في تونس يُعاني نقصا، حسب المحامية آمنة الزهروني، إذ يقدّم نصوصا عامّة لا تفي بالغرض، وبالتالي ترى آمنة أنه يجب تنقيح المجلة الجزائية لمراعاة المعايير النفسية والاجتماعية الحديثة. من جهته، جرّم القانون التونسي الاغتصاب والمفاحشة والتجاهر بما ينافي الحياء واللواط والمساحقة والفرار بقاصرة والمواقعة برضا الفتاة التى لم تبلغ سن الرشد، فضلا عن الزنا والخناء والزواج على خلاف الصيغ القانونية. وكانت الجمعية التونسية للنساء الديمفراطيات نظمت سنة 2004 حملة واسعة لتجريم التحرّش الجنسي، لعبت دورا فاعلا في تنقيح المجلة الجزائية، من خلال القانون عدد 73 لسنة 2004 والمتعلق بتنقيح وإتمام المجلة الجزائية بخصوص تجريم الاعتداءات على الأخلاق الحميدة والتحرش الجنسي. وهو قانون يحمي المرأة في مواقع الدراسة والعمل وداخل المجتمع. ويتمّم هذا القانون المجلة الجزائية ويدخل عقوبات جديدة بالسجن وبالخطية لكلّ من يعتدي على الأخلاق الحميدة وكلّ مرتكب لتحرش جنسي تكون المرأة أو الطفل متضررين منه. ويضبط القانون مفهوم التحرش الجنسي ويشدّد العقاب عند ارتكابه ضد طفل أو قاصر ذهنيا أو بدنيا. وأتت هذه الإضافات على الفصل 226 من المجلة الجزائية. وهي تعتبر تتمة للمنظومة الجزائية الحمائية للمرأة والطفل ضد كلّ استغلال جنسي أو اعتداء أخلاقي. وأضافت الزهروني أن الجمعية لم تتوقّف حملاتها التوعويّة ضد العنف الجنسي وآثاره على الصحة الجسدية والنفسية للنساء. وتقول "إنها قضايا مسكوت عنها تماما من طرف المتضررات تسقط في فخّ التجاهل الاجتماعي لأنها مرتبطة بالثلاثية المحرّمة (الجنس، السياسة، الدين)، وبالتالي مرتبط بجسد المرأة". وتأخذنا أمنة الزهروني إلى بعض الملفّات التي تمّ فتحها داخل المركز، وتروي لنا كيف تعدّى أبٌ على ابنته ، وعلى ابنه أيضا وحين اكتشفت زوجته الأمر واشتكت أمره إلى الشرطة، اتهمها بأنها تخونه مع عشيق لها وكان مآل القضية عدم سماع الدعوى. أما الملفّ الأخطر، فهو ملفّ سائق الأجرة الذي كان يتعدّى على ابنته جنسيّا، وتعمّدت الأم كيّ ابنتها بسكين حامية حين أخبرتها بالقصة حتى لا تخبر أحدا، خصوصا بعد أن أراد الأب الاعتداء على الأخت مما جعل الفتاة تشتكي، وتمّ بالفعل إدانة الأب. هذه القضية تفتح باب ملفّ أخطر وهو العقلية التي تحملها الأم حول مفهوم العيْب والحرام، حسب قول المحامية الزهروني، للحفاظ على الإطار الأسريّ أمام المجتمع مهما كان ما يُبطنه من خلل أخلاقي.  هنالك حالات تُكتشف مصادفة، ومنها حالة إحدى الفتيات التي كان أخوها يتحرّش بها، واكتشفتها آمال الزهروني خلال فترة تدريب بأحد الأحياء الشعبية. تقول: "لاحظت أنها تُغمض عينيها بشكل دائم، كلّمتها مرة وسألتها عن السبب فأخبرتني أن النور يؤلم عينيها، وكانت تتكلّم بشكل غير طبيعي (تْوَكْوِكْ)، فحاولت أن أستفسر منها الأمر، فبكت وقالت أنها لا تريد أن تُبصِر". هي فتاة في التاسعة عشر من عمرها، كان أخوها يتحرّش بها، وحين اشتكت لأمها ضربتها بأنبوب الريّ. "لم أستطع متابعة الحالة بسبب بُعد المسافة، كما أن البنت صارت تتحاشاني" تقول أمال، مردفة "إنها مشكلة وعي بالأساس، فهنالك تكتّم على هذه القضايا خصوصا من الأمهات، إذ يغرزن رؤوسهن في الأرض كما النعامة خوفا من كلام الناس". "لا يوجد نموذج محدّد للمُغتصِب"  كان لزاما علينا، خلال هذه الجولة داخل مركز التوجيه والاستماع للنساء ضحايا العنف، أن نقف على التداعيات النفسيّة التي يسبّبها العنف الجنسي على الأقارب، والتعمّق في إشكاليات نفسيّة أخرى تتعلّق بالمسألة، من خلال لقاء مع حياة الورتاني الأخصائية النفسانية بالمركز. قبل تحليل نفسيّة الضحية كان لا بُدّ من فهم نفسية الجاني نفسه، فطرحنا السؤال "لماذا يقوم شخص ما باغتصاب أقرب الناس إليه؟" أجابت حياة "حسب الدراسات، لا يوجد نموذج مُوحّد، ربّما تكون نسبة منهم قد تعرّضت للعنف، أو بعضهم لم يقتنع بقانون الطبيعة والأخلاقيات الحاكمة للإنسان، والبعض الآخر يرى في المرأة ملكية خاصّة يستخدمها كما يشاء" وتواصل حياة "هذا مرتبط بالنظرة الدونية للمرأة واعتبارها عورة، وبالتالي كثيرا ما يبحث الناس عن السبب في جسد المرأة كمُثير أساسي، لكنني أؤكّد أن العنف لا يجب أن يُبرّر". لهذا العنف، حسب الأخصائية الاجتماعية، تأثيرات نفسية وجسدية على الضحايا قد تؤدّي إلى تكوّن عُقد نفسيّة لديها. أما أهمّ التأثيرات، فهي حالات الاكتئاب، وتفسّرها حياة لنا بإسهاب "تغرق الضحيّة في حالة من الحزن تدوم لأكثر من خمسة عشر يوما، وحالة من التعب النفسي تظهر مع قلّة التركيز والنسيان، وحالة من التعب الجسدي تبرز في الإرهاق الزائد. يصبح الشخص أيضا حسّاسا أكثر من اللازم فيبكي دون أي سبب." بعد الصدمة التي عاشتها الضحية، تدخل في حالة توتّر كبيرة يُصاحبها الإحساس بالاختناق والشعور بالإغماء كأنما الموت قريب منها، كما تعيش الضحية دائما المشهد نفسه أمام عينيها، وتمرّ بأزمة نفسية قوية تسبّب لها الأرق والألم الشديد، لكنها ليست بالحدة التي توصلها إلى الاكتئاب، وهنالك أيضا إحساس بالخجل يتملّك الضحية. إن أساس هذه المشاكل النفسية، هو أن الاغتصاب مُورِس من أقرب الناس للضحيّة، والذي "من المفترض أن يكون الحامي" حسب وصف حياة الورتاني، مُردِفة أن الطفل في هذه الحالة يفقد قدرته على فهم معنى الأبوّة الطبيعيّة، ويتملّكه الإحساس بالذنب إن هو اشتكى، خصوصا وأن المجتمع والجانب القضائيّ نفسه يُعمّق هذا الشعور، وتستنكر الأم ما حصل وتحاول عدم تصديقه، مما يحطّم الضحية مع الوقت. حالة أخرى مرّت بالمركز سنة 2010 حصلت في مدينة صفاقس في جنوب تونس، وهي قضيّة "عطّار" أي صاحب دكّان مواد غذائية لم يكتف بالتحرّش بفتاة في سنّ العاشرة بل أقام معها علاقة جنسيّة كاملة. ما يلفت الانتباه في هذه الحالة أن الجدّة اكتشفت الأمر حين لاحظت أن البنت كانت تلاعب ابن عمّها لعبة الجنس، هذه القضية لا تدخل في إطار زنا المحارم، لكنها تفتح الباب لملفّ جديد قد نطرحه في وكالة أخبار المرأة "ما هي تداعيات زنا المحارم على الضحايا؟ وكيف يمكن معالجتهم وإعادة المفاهيم الطبيعية للأخلاق إلى نِصابها لديهم؟"

القانون في تونس يُعاني نقصا، حسب المحامية آمنة الزهروني، إذ يقدّم نصوصا عامّة لا تفي بالغرض، وبالتالي ترى آمنة أنه يجب تنقيح المجلة الجزائية لمراعاة المعايير النفسية والاجتماعية الحديثة. من جهته، جرّم القانون التونسي الاغتصاب والمفاحشة والتجاهر بما ينافي الحياء واللواط والمساحقة والفرار بقاصرة والمواقعة برضا الفتاة التى لم تبلغ سن الرشد، فضلا عن الزنا والخناء والزواج على خلاف الصيغ القانونية. وكانت الجمعية التونسية للنساء الديمفراطيات نظمت سنة 2004 حملة واسعة لتجريم التحرّش الجنسي، لعبت دورا فاعلا في تنقيح المجلة الجزائية، من خلال القانون عدد 73 لسنة 2004 والمتعلق بتنقيح وإتمام المجلة الجزائية بخصوص تجريم الاعتداءات على الأخلاق الحميدة والتحرش الجنسي. وهو قانون يحمي المرأة في مواقع الدراسة والعمل وداخل المجتمع. ويتمّم هذا القانون المجلة الجزائية ويدخل عقوبات جديدة بالسجن وبالخطية لكلّ من يعتدي على الأخلاق الحميدة وكلّ مرتكب لتحرش جنسي تكون المرأة أو الطفل متضررين منه. ويضبط القانون مفهوم التحرش الجنسي ويشدّد العقاب عند ارتكابه ضد طفل أو قاصر ذهنيا أو بدنيا. وأتت هذه الإضافات على الفصل 226 من المجلة الجزائية. وهي تعتبر تتمة للمنظومة الجزائية الحمائية للمرأة والطفل ضد كلّ استغلال جنسي أو اعتداء أخلاقي.

وأضافت الزهروني أن الجمعية لم تتوقّف حملاتها التوعويّة ضد العنف الجنسي وآثاره على الصحة الجسدية والنفسية للنساء. وتقول "إنها قضايا مسكوت عنها تماما من طرف المتضررات تسقط في فخّ التجاهل الاجتماعي لأنها مرتبطة بالثلاثية المحرّمة (الجنس، السياسة، الدين)، وبالتالي مرتبط بجسد المرأة".

وتأخذنا أمنة الزهروني إلى بعض الملفّات التي تمّ فتحها داخل المركز، وتروي لنا كيف تعدّى أبٌ على ابنته ، وعلى ابنه أيضا وحين اكتشفت زوجته الأمر واشتكت أمره إلى الشرطة، اتهمها بأنها تخونه مع عشيق لها وكان مآل القضية عدم سماع الدعوى. أما الملفّ الأخطر، فهو ملفّ سائق الأجرة الذي كان يتعدّى على ابنته جنسيّا، وتعمّدت الأم كيّ ابنتها بسكين حامية حين أخبرتها بالقصة حتى لا تخبر أحدا، خصوصا بعد أن أراد الأب الاعتداء على الأخت مما جعل الفتاة تشتكي، وتمّ بالفعل إدانة الأب. هذه القضية تفتح باب ملفّ أخطر وهو العقلية التي تحملها الأم حول مفهوم العيْب والحرام، حسب قول المحامية الزهروني، للحفاظ على الإطار الأسريّ أمام المجتمع مهما كان ما يُبطنه من خلل أخلاقي.


هنالك حالات تُكتشف مصادفة، ومنها حالة إحدى الفتيات التي كان أخوها يتحرّش بها، واكتشفتها آمال الزهروني خلال فترة تدريب بأحد الأحياء الشعبية. تقول: "لاحظت أنها تُغمض عينيها بشكل دائم، كلّمتها مرة وسألتها عن السبب فأخبرتني أن النور يؤلم عينيها، وكانت تتكلّم بشكل غير طبيعي (تْوَكْوِكْ)، فحاولت أن أستفسر منها الأمر، فبكت وقالت أنها لا تريد أن تُبصِر". هي فتاة في التاسعة عشر من عمرها، كان أخوها يتحرّش بها، وحين اشتكت لأمها ضربتها بأنبوب الريّ. "لم أستطع متابعة الحالة بسبب بُعد المسافة، كما أن البنت صارت تتحاشاني" تقول أمال، مردفة "إنها مشكلة وعي بالأساس، فهنالك تكتّم على هذه القضايا خصوصا من الأمهات، إذ يغرزن رؤوسهن في الأرض كما النعامة خوفا من كلام الناس".

"لا يوجد نموذج محدّد للمُغتصِب"

وكالة أخبار المرأة" تكسر التابوهات المغلقة " زنا المحارم " المسكوت عنه والهيكل العائلي المُنهار  تحقيق: الثريا رمضان - تونس - وكالة أخبار المرأة  كثيرا ما نسمع عن جرائم الاغتصاب المنتشرة في أنحاء البلاد، وما يتولّد عنها من تحاليل غالبا ما ترمي المُغتصَبَة بوابل من التُهم، أوّلها أنّها هي من أثارت المُغتصبين بمظهرها (حسب ما تحدثت " وكالة أخبار المرأة " معهن خلال هذا التحقيق). وكثيرا ما نسمع عن حوادث اغتصاب الأطفال، ونسمع التحاليل التي تعتبر المُغتصِب مُختلاّ ذهنيّا. لكنّ حكايات زنا المحارم هي الأكثر وطأة على النفوس، لأنها تدخل في العلاقات التي لا يمكن لأحد أن يتخيّل تحوّلها إلى علاقات جنسيّة. علاقة الأب بابنته، الخال ببنت أخته، الأخ بأخته وكلّ هذه الأُطر العائلية التي تدفع السّامع لعدم تصديق اختلالها مع التركيبة الأخلاقيّة والدينيّة التي تبني مُجتمعا برمّته. 7% من حالات العنف الجنسي في تونس تدخل في زنا المحارم وهي تكثر خصوصا في الجهات الداخلية للبلاد وفي القُرى. " وكالة أخبار المرأة " فتحت هذا الملفّ من خلال زيارة لمركز التوجيه والاستماع للنساء ضحايا العنف التابع للجمعيّة التونسية للنساء الديمقراطيّات، حيث التقت هناك بمجموعة من المختصّات سواء في المجال النفسي أو القانوني للتعرّف عن قرب على هذا النوع من العنف الذي يطال المرأة، وفتح ملفّات بعض الحالات التي وردت على المركز.  أميرة النفزاوي، منسّقة المركز، أخذتنا في جولة افتراضية، لنحاول أن نلبس جلباب إحدى الحالات منذ ولوجها عتبة المكان حتّى الوصول إلى فتح قضيّة لدى المحاكم المُختصّة. البداية كانت عند استقبال إحدى المسؤولات للحالة لترافقها في عملية استخراج ما تحتاجه من وثائق إداريّة وتبحث لها عن مركز إيواء خاص إن طلبت ذلك. بعد ذلك يحلّ الركب عند إحدى "مناضلات الجمعية" كما وصفتها أميرة للاستماع للحالة، وهنا ركّزت على كلمة استماع لأنّ المسؤولة لا تتدخّل أبدا بل تستمع فقط للمرأة، فهي وحدها التي تقرّر ما تريد فعله سواء رفع قضيّة أو علاج نفسي أو فضفضة وحسب. تقوم المُستمِعة أيضا بالتعريف بالجمعية وإمكانياتها، ذلك أن الجمعية لا توفّر مساعدات مالية بل تقوم بتوجيه الحالة لفهم وضعيتها وحقوقها وما يمكنها القيام به ضدّ من أصابها بالضرر. إنّها أهمّ مرحلة فهي التي تُحدّد فيها الحالة مطالبها وتتّخذ فيها قرارها بالاستمرار حتى نهاية الرحلة لاسترداد حقوقها بالكامل أو التراجع، لكن بعض الحالات لا تعود إلى المركز بعدها، "80 % فقط يعُدْن ولو بعد سنتيْن أو ثلاثٍ" حسب مُنسّقة المركز. في المرحلة الثالثة، تلتقي المرأة المتضرّرة بمحامية من الطقم القانوني المتطوّع بالمركز، لتستمع إليها وتُوجّهها حسب طلبها، وبعض الحالات يتمّ المرافعة فيهنّ رسميّا باسم الجمعية وخصوصا الحالات المروّعة. بعد مرحلة لإرشاد القانوني، يأتي دور الطبيبة النفسانية وهما اثنتان في الجمعية، تتولّيان مهمة الإحاطة النفسية الكاملة بطلب من المُتضرّرة في الحالات المستعصية، لنصل إلى المرحلة النهائيةّ وهي اجتماع اللجنة (يتمّ كل أسبوع) لمناقشة كيفيّة التدخّل. السكوت لطمس الفضيحة رفض المُتضرّرات الحديث معنا ولو دون ذكر أسماء لم يكن غريبا، ذلك أن هذا النوع من العنف يدخل في باب المُحرّمات الدينيّة والاجتماعيّة أيضا، ممّا يجعل الكثيرات منهنّ يُخيّرن السكوت على "الفضيحة والعار". كلّ الحالات تدخل في باب المأساة، لكنّ بعضها لا يمكن للعقل البشريّ تقبّلها، ومنها كما ذكرت لنا أميرة النفزاوي حالة وردت على المركز في سنة 2011، كان الأب يتحرّش ببناته التوائم الثلاثة منذ سنّ الرابعة حتى وصلن إلى تسع سنوات، ولم تكتشف الأم ذلك إلا عندما أخبرتها إحداهنّ بالأمر. "كان الأب يفضّل التحرّش أكثر بأجمل بناته التوائم" تقول أميرة مضيفة "إنها عائلة ميسورة تعيش في العاصمة، والأب والأم مستواهما التعليمي والعملي عالٍ"، ولم تسكت الأم بل التجأت إلى الجمعية للنصيحة، ورفعت قضية على زوجها حتى حصلت على الطلاق ومنعته نهائيا من رؤية بناته. قضيّة أخرى حصلت في إحدى قرى الريف التونسي جذورها مؤلمة، فالأب كان يتحرّش بابنه منذ سنّ التسع سنوات، هذا الطفل الذي كان ثمرة اغتصاب، والذي وصل به الحال إلى الدخول إلى مستشفى الأمراض النفسية والعصبية. "هنالك تكتّم على هذه القضايا خصوصا من الأمهات"  القانون في تونس يُعاني نقصا، حسب المحامية آمنة الزهروني، إذ يقدّم نصوصا عامّة لا تفي بالغرض، وبالتالي ترى آمنة أنه يجب تنقيح المجلة الجزائية لمراعاة المعايير النفسية والاجتماعية الحديثة. من جهته، جرّم القانون التونسي الاغتصاب والمفاحشة والتجاهر بما ينافي الحياء واللواط والمساحقة والفرار بقاصرة والمواقعة برضا الفتاة التى لم تبلغ سن الرشد، فضلا عن الزنا والخناء والزواج على خلاف الصيغ القانونية. وكانت الجمعية التونسية للنساء الديمفراطيات نظمت سنة 2004 حملة واسعة لتجريم التحرّش الجنسي، لعبت دورا فاعلا في تنقيح المجلة الجزائية، من خلال القانون عدد 73 لسنة 2004 والمتعلق بتنقيح وإتمام المجلة الجزائية بخصوص تجريم الاعتداءات على الأخلاق الحميدة والتحرش الجنسي. وهو قانون يحمي المرأة في مواقع الدراسة والعمل وداخل المجتمع. ويتمّم هذا القانون المجلة الجزائية ويدخل عقوبات جديدة بالسجن وبالخطية لكلّ من يعتدي على الأخلاق الحميدة وكلّ مرتكب لتحرش جنسي تكون المرأة أو الطفل متضررين منه. ويضبط القانون مفهوم التحرش الجنسي ويشدّد العقاب عند ارتكابه ضد طفل أو قاصر ذهنيا أو بدنيا. وأتت هذه الإضافات على الفصل 226 من المجلة الجزائية. وهي تعتبر تتمة للمنظومة الجزائية الحمائية للمرأة والطفل ضد كلّ استغلال جنسي أو اعتداء أخلاقي. وأضافت الزهروني أن الجمعية لم تتوقّف حملاتها التوعويّة ضد العنف الجنسي وآثاره على الصحة الجسدية والنفسية للنساء. وتقول "إنها قضايا مسكوت عنها تماما من طرف المتضررات تسقط في فخّ التجاهل الاجتماعي لأنها مرتبطة بالثلاثية المحرّمة (الجنس، السياسة، الدين)، وبالتالي مرتبط بجسد المرأة". وتأخذنا أمنة الزهروني إلى بعض الملفّات التي تمّ فتحها داخل المركز، وتروي لنا كيف تعدّى أبٌ على ابنته ، وعلى ابنه أيضا وحين اكتشفت زوجته الأمر واشتكت أمره إلى الشرطة، اتهمها بأنها تخونه مع عشيق لها وكان مآل القضية عدم سماع الدعوى. أما الملفّ الأخطر، فهو ملفّ سائق الأجرة الذي كان يتعدّى على ابنته جنسيّا، وتعمّدت الأم كيّ ابنتها بسكين حامية حين أخبرتها بالقصة حتى لا تخبر أحدا، خصوصا بعد أن أراد الأب الاعتداء على الأخت مما جعل الفتاة تشتكي، وتمّ بالفعل إدانة الأب. هذه القضية تفتح باب ملفّ أخطر وهو العقلية التي تحملها الأم حول مفهوم العيْب والحرام، حسب قول المحامية الزهروني، للحفاظ على الإطار الأسريّ أمام المجتمع مهما كان ما يُبطنه من خلل أخلاقي.  هنالك حالات تُكتشف مصادفة، ومنها حالة إحدى الفتيات التي كان أخوها يتحرّش بها، واكتشفتها آمال الزهروني خلال فترة تدريب بأحد الأحياء الشعبية. تقول: "لاحظت أنها تُغمض عينيها بشكل دائم، كلّمتها مرة وسألتها عن السبب فأخبرتني أن النور يؤلم عينيها، وكانت تتكلّم بشكل غير طبيعي (تْوَكْوِكْ)، فحاولت أن أستفسر منها الأمر، فبكت وقالت أنها لا تريد أن تُبصِر". هي فتاة في التاسعة عشر من عمرها، كان أخوها يتحرّش بها، وحين اشتكت لأمها ضربتها بأنبوب الريّ. "لم أستطع متابعة الحالة بسبب بُعد المسافة، كما أن البنت صارت تتحاشاني" تقول أمال، مردفة "إنها مشكلة وعي بالأساس، فهنالك تكتّم على هذه القضايا خصوصا من الأمهات، إذ يغرزن رؤوسهن في الأرض كما النعامة خوفا من كلام الناس". "لا يوجد نموذج محدّد للمُغتصِب"  كان لزاما علينا، خلال هذه الجولة داخل مركز التوجيه والاستماع للنساء ضحايا العنف، أن نقف على التداعيات النفسيّة التي يسبّبها العنف الجنسي على الأقارب، والتعمّق في إشكاليات نفسيّة أخرى تتعلّق بالمسألة، من خلال لقاء مع حياة الورتاني الأخصائية النفسانية بالمركز. قبل تحليل نفسيّة الضحية كان لا بُدّ من فهم نفسية الجاني نفسه، فطرحنا السؤال "لماذا يقوم شخص ما باغتصاب أقرب الناس إليه؟" أجابت حياة "حسب الدراسات، لا يوجد نموذج مُوحّد، ربّما تكون نسبة منهم قد تعرّضت للعنف، أو بعضهم لم يقتنع بقانون الطبيعة والأخلاقيات الحاكمة للإنسان، والبعض الآخر يرى في المرأة ملكية خاصّة يستخدمها كما يشاء" وتواصل حياة "هذا مرتبط بالنظرة الدونية للمرأة واعتبارها عورة، وبالتالي كثيرا ما يبحث الناس عن السبب في جسد المرأة كمُثير أساسي، لكنني أؤكّد أن العنف لا يجب أن يُبرّر". لهذا العنف، حسب الأخصائية الاجتماعية، تأثيرات نفسية وجسدية على الضحايا قد تؤدّي إلى تكوّن عُقد نفسيّة لديها. أما أهمّ التأثيرات، فهي حالات الاكتئاب، وتفسّرها حياة لنا بإسهاب "تغرق الضحيّة في حالة من الحزن تدوم لأكثر من خمسة عشر يوما، وحالة من التعب النفسي تظهر مع قلّة التركيز والنسيان، وحالة من التعب الجسدي تبرز في الإرهاق الزائد. يصبح الشخص أيضا حسّاسا أكثر من اللازم فيبكي دون أي سبب." بعد الصدمة التي عاشتها الضحية، تدخل في حالة توتّر كبيرة يُصاحبها الإحساس بالاختناق والشعور بالإغماء كأنما الموت قريب منها، كما تعيش الضحية دائما المشهد نفسه أمام عينيها، وتمرّ بأزمة نفسية قوية تسبّب لها الأرق والألم الشديد، لكنها ليست بالحدة التي توصلها إلى الاكتئاب، وهنالك أيضا إحساس بالخجل يتملّك الضحية. إن أساس هذه المشاكل النفسية، هو أن الاغتصاب مُورِس من أقرب الناس للضحيّة، والذي "من المفترض أن يكون الحامي" حسب وصف حياة الورتاني، مُردِفة أن الطفل في هذه الحالة يفقد قدرته على فهم معنى الأبوّة الطبيعيّة، ويتملّكه الإحساس بالذنب إن هو اشتكى، خصوصا وأن المجتمع والجانب القضائيّ نفسه يُعمّق هذا الشعور، وتستنكر الأم ما حصل وتحاول عدم تصديقه، مما يحطّم الضحية مع الوقت. حالة أخرى مرّت بالمركز سنة 2010 حصلت في مدينة صفاقس في جنوب تونس، وهي قضيّة "عطّار" أي صاحب دكّان مواد غذائية لم يكتف بالتحرّش بفتاة في سنّ العاشرة بل أقام معها علاقة جنسيّة كاملة. ما يلفت الانتباه في هذه الحالة أن الجدّة اكتشفت الأمر حين لاحظت أن البنت كانت تلاعب ابن عمّها لعبة الجنس، هذه القضية لا تدخل في إطار زنا المحارم، لكنها تفتح الباب لملفّ جديد قد نطرحه في وكالة أخبار المرأة "ما هي تداعيات زنا المحارم على الضحايا؟ وكيف يمكن معالجتهم وإعادة المفاهيم الطبيعية للأخلاق إلى نِصابها لديهم؟"
كان لزاما علينا، خلال هذه الجولة داخل مركز التوجيه والاستماع للنساء ضحايا العنف، أن نقف على التداعيات النفسيّة التي يسبّبها

العنف الجنسي على الأقارب، والتعمّق في إشكاليات نفسيّة أخرى تتعلّق بالمسألة، من خلال لقاء مع حياة الورتاني الأخصائية النفسانية بالمركز. قبل تحليل نفسيّة الضحية كان لا بُدّ من فهم نفسية الجاني نفسه، فطرحنا السؤال "لماذا يقوم شخص ما باغتصاب أقرب الناس إليه؟" أجابت حياة "حسب الدراسات، لا يوجد نموذج مُوحّد، ربّما تكون نسبة منهم قد تعرّضت للعنف، أو بعضهم لم يقتنع بقانون الطبيعة والأخلاقيات الحاكمة للإنسان، والبعض الآخر يرى في المرأة ملكية خاصّة يستخدمها كما يشاء" وتواصل حياة "هذا مرتبط بالنظرة الدونية للمرأة واعتبارها عورة، وبالتالي كثيرا ما يبحث الناس عن السبب في جسد المرأة كمُثير أساسي، لكنني أؤكّد أن العنف لا يجب أن يُبرّر".

لهذا العنف، حسب الأخصائية الاجتماعية، تأثيرات نفسية وجسدية على الضحايا قد تؤدّي إلى تكوّن عُقد نفسيّة لديها. أما أهمّ التأثيرات، فهي حالات الاكتئاب، وتفسّرها حياة لنا بإسهاب "تغرق الضحيّة في حالة من الحزن تدوم لأكثر من خمسة عشر يوما، وحالة من التعب النفسي تظهر مع قلّة التركيز والنسيان، وحالة من التعب الجسدي تبرز في الإرهاق الزائد. يصبح الشخص أيضا حسّاسا أكثر من اللازم فيبكي دون أي سبب." بعد الصدمة التي عاشتها الضحية، تدخل في حالة توتّر كبيرة يُصاحبها الإحساس بالاختناق والشعور بالإغماء كأنما الموت قريب منها، كما تعيش الضحية دائما المشهد نفسه أمام عينيها، وتمرّ بأزمة نفسية قوية تسبّب لها الأرق والألم الشديد، لكنها ليست بالحدة التي توصلها إلى الاكتئاب، وهنالك أيضا إحساس بالخجل يتملّك الضحية.

إن أساس هذه المشاكل النفسية، هو أن الاغتصاب مُورِس من أقرب الناس للضحيّة، والذي "من المفترض أن يكون الحامي" حسب وصف حياة الورتاني، مُردِفة أن الطفل في هذه الحالة يفقد قدرته على فهم معنى الأبوّة الطبيعيّة، ويتملّكه الإحساس بالذنب إن هو اشتكى، خصوصا وأن المجتمع والجانب القضائيّ نفسه يُعمّق هذا الشعور، وتستنكر الأم ما حصل وتحاول عدم تصديقه، مما يحطّم الضحية مع الوقت.

حالة أخرى مرّت بالمركز سنة 2010 حصلت في مدينة صفاقس في جنوب تونس، وهي قضيّة "عطّار" أي صاحب دكّان مواد غذائية لم يكتف بالتحرّش بفتاة في سنّ العاشرة بل أقام معها علاقة جنسيّة كاملة. ما يلفت الانتباه في هذه الحالة أن الجدّة اكتشفت الأمر حين لاحظت أن البنت كانت تلاعب ابن عمّها لعبة الجنس، هذه القضية لا تدخل في إطار زنا المحارم، لكنها تفتح الباب لملفّ جديد قد نطرحه في وكالة أخبار المرأة "ما هي تداعيات زنا المحارم على الضحايا؟ وكيف يمكن معالجتهم وإعادة المفاهيم الطبيعية للأخلاق إلى نِصابها لديهم؟"
تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -