الابنة صديقة الأب...

الابنة صديقة الأب...

الابنة صديقة الأب...  د. سناء أبو شرار - الأردن  علاقة نادرة، أن تكون الابنة صديقة والدها ومنذ سنوات الطفولة، تسير بجانبه بخطواتها الصغيرة، يُمسك يدها ويحدثها بأشياء كثيرة وفي نهاية الطريق ترفع نظراتها إليه وتقول له: _ أبي أريد أن أبقى معك دائما، أريد أن أكون سكرتيرتك. فيبتسم ويقول لها: _ أجل سوف تكونين سكرتيرتي وتبقي معي دائماً. وحين ترى فتاة ما في حفل زفافها تبكي ووالدها يحتضنها، تعود إلى البيت وتقول لوالدها: _ أبي لا أريد أن أتزوج، أريد أن أبقى معك. _ أجل، سوف تبقين معي. جلست أمامي وهي تحاول منع دموعها لتُخبرني عن صداقتها مع والدها وحبها الذي لم يذبل ولم يبهت رغم مرور السنوات ورغم رحيله عن الحياة، كانت تتحدث معي ولكن نظراتها كانت مع والدها وكأنه يجلس معنا: ( منذ موت والدي، كل شيء في حياتي تغير، ليس بمعنى المأساوية ولكن بمعني أنني ارتبطت معه في عالم الموت، بإدراكي أن الجسد يفني وتبقى الروح، فهو لم يمت أبداً في قلبي، ولم يغادر ذكرياتي ولو ليوم واحد، وكل تلك الأوقات التي قضيتها معه لا تسبب ألم الفقد بالنسبة لي بل تجلب لي السعادة لأنني أكاد قول شبعت من حضوري معه ومن وجوده في حياتي، امتلأت حياتي به وبكلماته حتى بحركات جسده وردود أفعاله؛ أحيانا قبل ان أنام أتذكر كيف كنا نمشي معاً وكل الكلمات التي كان يقولها لي، أتذكر كل تفاصيل الحياة معه، وأدرك وفي كل سنة أعيشها وبشكل أعمق بأنني كنت صديقة والدي وكان صديقي الوحيد. وأنني لم أحب ولن أحب أحد مثلما أحببت والدي، ليس لأن هذه طبيعة الأشياء ولكن لأنني لم أقابل أي فتاة في حياتي حدثتني عن صداقة ما لها مع والدها؛ لم أشعر بذلك التقارب الروحي الذي كنت أشعر به مع والدي مع أي انسان آخر؛ لذلك حين رحل لم أحزن كثيراً لأنه معي رغب الغياب، ولأنني أعتبر أن الموت الحقيقي هو النسيان، وأنا لا أنساه، ولدي الكثير من الذكريات معه التي تؤنسني وتملأ حياتي دفئاً وحناناً.) سألتها بفضول: _ ولكن ما سبب هذه الصداقة؟ _ أعتقد أن السبب هو شعوري العميق تجاهه، حتى حين كان يمرض كنت أجلس بجواره ولا أنتظر أن يعتني به أحد غيري، وإحساسي المُرهف تجاهه إن كان مُتعباً أو وحيداً، لم أكن ابنه فقط بل كنت أم وأخت له عبر ذلك الحنان الدافق الذي كنت أشعر به تجاهه، لم أكن أنتظر ان يحبني بل كنت أبادره بذلك الحب العميق وأهتم لكل أمر يتعلق به منذ صغري.) فكرت كثيراً بكلماتها ولعدة أيام، وأدركت أن غالبية الأبناء ينتظرون الحب من الآباء منذ الصغر ومن النادر أن يمنح الابن الحب الكبير لوالديه لأنه يعتقد أنها مهمة الآباء خصوصاً في علاقة الأب وابنته، فالأب هو الذي يهتم وهو الذي يمنح الحب وهو الذي يراعي شؤون الأسرة، ولكن هي منحت لوالدها حب غير محدود منذ الصغر، وعبرت عن ذلك التعلق في كل المواقف، لذلك نشأت تلك العلاقة النادرة، لأنها لم تنتظر أن يمنحها الحب بل بادرت به كأنها هي الأم الأخت والصديقة. أجل، علاقة فريدة من نوعها لدرجة أنها تمنحها الدفء رغم موت والدها، فبمجرد أن تتذكره يمتلأ قلبها بسعادة غامرة وكأنها يجلس معها. في كل العلاقات نحن بحاجة لعفوية الحب دون حسابات ودون تحفظات ودون انتظار لأن يبادر الطرف الآخر، لماذا نعتقد دائماً أن الآباء هم من يجب ان يمنحوا الحب؟ لماذا لا نُغدق عليهم كل الحب قبل أن يغادروا ولا يبقى سوى ذكريات جافة لحب كان متجمد في القلوب، ومشلول في العقول؛ ولا ندرك أن الحب يحل الكثير من المشاكل ويداوي الكثير من الجراح وأنه يمنحنا الدفء رغم برودة الموت.

د. سناء أبو شرار - الأردن 

علاقة نادرة، أن تكون الابنة صديقة والدها ومنذ سنوات الطفولة، تسير بجانبه بخطواتها الصغيرة، يُمسك يدها ويحدثها بأشياء كثيرة وفي نهاية الطريق ترفع نظراتها إليه وتقول له:
_ أبي أريد أن أبقى معك دائما، أريد أن أكون سكرتيرتك.
فيبتسم ويقول لها:
_ أجل سوف تكونين سكرتيرتي وتبقي معي دائماً.
وحين ترى فتاة ما في حفل زفافها تبكي ووالدها يحتضنها، تعود إلى البيت وتقول لوالدها:
_ أبي لا أريد أن أتزوج، أريد أن أبقى معك.
_ أجل، سوف تبقين معي.
جلست أمامي وهي تحاول منع دموعها لتُخبرني عن صداقتها مع والدها وحبها الذي لم يذبل ولم يبهت رغم مرور السنوات ورغم رحيله عن الحياة، كانت تتحدث معي ولكن نظراتها كانت مع والدها وكأنه يجلس معنا:
( منذ موت والدي، كل شيء في حياتي تغير، ليس بمعنى المأساوية ولكن بمعني أنني ارتبطت معه في عالم الموت، بإدراكي أن الجسد يفني وتبقى الروح، فهو لم يمت أبداً في قلبي، ولم يغادر ذكرياتي ولو ليوم واحد، وكل تلك الأوقات التي قضيتها معه لا تسبب ألم الفقد بالنسبة لي بل تجلب لي السعادة لأنني أكاد قول شبعت من حضوري معه ومن وجوده في حياتي، امتلأت حياتي به وبكلماته حتى بحركات جسده وردود أفعاله؛ أحيانا قبل ان أنام أتذكر كيف كنا نمشي معاً وكل الكلمات التي كان يقولها لي، أتذكر كل تفاصيل الحياة معه، وأدرك وفي كل سنة أعيشها وبشكل أعمق بأنني كنت صديقة والدي وكان صديقي الوحيد. وأنني لم أحب ولن أحب أحد مثلما أحببت والدي، ليس لأن هذه طبيعة الأشياء ولكن لأنني لم أقابل أي فتاة في حياتي حدثتني عن صداقة ما لها مع والدها؛ لم أشعر بذلك التقارب الروحي الذي كنت أشعر به مع والدي مع أي انسان آخر؛ لذلك حين رحل لم أحزن كثيراً لأنه معي رغب الغياب، ولأنني أعتبر أن الموت الحقيقي هو النسيان، وأنا لا أنساه، ولدي الكثير من الذكريات معه التي تؤنسني وتملأ حياتي دفئاً وحناناً.)
سألتها بفضول:
_ ولكن ما سبب هذه الصداقة؟
_ أعتقد أن السبب هو شعوري العميق تجاهه، حتى حين كان يمرض كنت أجلس بجواره ولا أنتظر أن يعتني به أحد غيري، وإحساسي المُرهف تجاهه إن كان مُتعباً أو وحيداً، لم أكن ابنه فقط بل كنت أم وأخت له عبر ذلك الحنان الدافق الذي كنت أشعر به تجاهه، لم أكن أنتظر ان يحبني بل كنت أبادره بذلك الحب العميق وأهتم لكل أمر يتعلق به منذ صغري.)
فكرت كثيراً بكلماتها ولعدة أيام، وأدركت أن غالبية الأبناء ينتظرون الحب من الآباء منذ الصغر ومن النادر أن يمنح الابن الحب الكبير لوالديه لأنه يعتقد أنها مهمة الآباء خصوصاً في علاقة الأب وابنته، فالأب هو الذي يهتم وهو الذي يمنح الحب وهو الذي يراعي شؤون الأسرة، ولكن هي منحت لوالدها حب غير محدود منذ الصغر، وعبرت عن ذلك التعلق في كل المواقف، لذلك نشأت تلك العلاقة النادرة، لأنها لم تنتظر أن يمنحها الحب بل بادرت به كأنها هي الأم الأخت والصديقة.
أجل، علاقة فريدة من نوعها لدرجة أنها تمنحها الدفء رغم موت والدها، فبمجرد أن تتذكره يمتلأ قلبها بسعادة غامرة وكأنها يجلس معها. في كل العلاقات نحن بحاجة لعفوية الحب دون حسابات ودون تحفظات ودون انتظار لأن يبادر الطرف الآخر، لماذا نعتقد دائماً أن الآباء هم من يجب ان يمنحوا الحب؟ لماذا لا نُغدق عليهم كل الحب قبل أن يغادروا ولا يبقى سوى ذكريات جافة لحب كان متجمد في القلوب، ومشلول في العقول؛ ولا ندرك أن الحب يحل الكثير من المشاكل ويداوي الكثير من الجراح وأنه يمنحنا الدفء رغم برودة الموت.
تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -