دراسة : "اضطرابات ما بعد الصدمة عند الأطفال" (التشخيص والعلاج)

 دراسة : 

"اضطرابات ما بعد الصدمة عند الأطفال"
(التشخيص والعلاج)

اضطراب ما بعد الصدمة ... الأسباب والحلول

إعداد
الدكتور/ عبد الفتاح عبد الغني الهمص
أستاذ الصحة النفسية المساعد
كلية التربية – الجامعة الإسلامية
غزة – فلسطين

مقدمة:

إذا كانت بعض الأمم والشعوب قد تعرّضت أثناء الكوارث والحروب والثورات لمواقف وأحداث صادمة وضاغطة ومؤلمة أدّت إلى إصابة العديد من أبنائها بالأمراض الجسمية والنفسية، فإن فلسطين عموماً وقطاع غزة خصوصاً يتميز بخصوصية في هذا المجال، حيث إن ما يتعرّض له شعبنا من أحداث وخبرات ومواقف صادمة متمثّلة بقصف البيوت والمدارس والأماكن العامة والخاصّة، وإطلاق الرصاص والقذائف على التجمعات دون تمييز والإصابات وحالات الاستشهاد والإعاقة، ورؤية المشاهد المرعبة جرّاء الحرب الأخيرة على قطاع غزة، فإن ذلك كله يعد من مصادر وأسباب حدوث الصدمات النفسية والاضطرابات السلوكية والانفعالية والعقلية.
ومن بين أكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً التي تبتلى بها الشعوب المنكوبة بالحروب وبأنظمة سادية، هو: اضطراب ما بعد الصدمة، حيث يعود الفضل في اكتشاف هذا الاضطراب إلى الحرب الفيتنامية في سبعينات القرن الماضي، فقد كشفت الدراسات النفسية عن وجود نصف مليون محارب أمريكي يعانون من هذا الاضطراب بعد مرور (15) سنة على انتهاء تلك الحرب (بلانش، 1985: 300).

اضطراب ما بعد الصدمة:

إن تعرض الإنسان لخطر مفاجيء أو رؤية مشهد مفزع أو سماع خبر مفجع، يتسبّب في حدوث صدمة نفسية للمتلقي، والصدمة تستخدم عادة للتعبير عن التأثر النفسي الشديد، ويعرّف الباحث إجرائياً هذه الحالة المعروفة بـِ ( Trauma) : بأنها حالة من الضغط النفسي تتجاوز قدرة الفرد على التحمل والعودة إلى حالة التوازن الدائم بعدها، وهذا الحادث الصادم يهاجم الفرد ويخترق الجهاز الدفاعي لديه مع إمكانية تمزيق حياته بشدة، وقد ينتج عن هذا الحادث تغيرات في الشخصية، أو مرض عضوي، إذا لم يتم التحكم فيه بسرعة وفاعلية حيث تؤدي الصدمة إلى نشأة الخوف العميق والعجز أو الرعب.
تترك الحروب ولاسيّما ذات الصبغة العدوانية، الكثير من الكوارث، والجرائم بحق الأطفال الأبرياء، ومن تدمير يلحق بالعمران والبيئة، ولكن أكثر نتائجها مأساوية ما يتعلق بما يتركه لدى هؤلاء الأطفال من أثار سلبية، قد ترافقهم طيلة حياتهم، فإن قطاع غزة بمحافظاته يشهد حرباً مروّعة ترمي بظلها الأسود الحالك على سكانها؛ لتحفر في ذاكرتهم صوراً لا تنسى، تؤثر على صحتهم النفسية، وتسبب الآفات التي يصعب علاجها، والتي قد تتحول إلى آفات نفسية مزمنة، لذا فإن الحروب وما يصاحبها من أهوال ونكبات، يكون أثرها النفسي أكبر بكثير من الآثار الجسدية على الأطفال، وهذا مالا يدركه الأشخاص في حينه، بل بعد تفاقم الحالة النفسية، وتحول مشاعر الفزع والرعب إلى آفة نفسية مزمنة تحتاج للعلاج والمداواة لفترات زمنية طويلة.

واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) : هو رد فعل شديد على الحادث الصادم ويتميز رد الفعل هذا بثلاثة أصناف كبرى من الأعراض: ( النابلسي، 1991: 189).

1- إحياء التجربة: أي الشعور بأن الصدمة يتكرر حدوثها المرة تلو الأخرى، وتكون مصحوبة بكوابيس متكررة وذكريات مزعجة تتعلق بالصدمة.
2- التحاشي: حافز قوي لتجنب كل ما يتعلق بالتجربة الصادمة .
3- إثارة مفرطة: إحساس مستمر بالتأهب والعصبية وصعوبة التركيز، ويسبّب هذا الوضع عادة اضطرابات أثناء النوم وصعوبة في الخلود إلى النوم.

كيف يتشكل اضطراب ما بعد الصدمة ؟

يتشكّل اضطراب ما بعد الصدمة على النحو التالي:
1- معالجة الانباءات ( المنبهات ): إن معالجة الانباءات ( المنبهات) تعتبر من أهم النظريات التي حاولت أن تفسر اضطراب ما بعد الصدمة، حيث إن الانباءات تغزونا من كل حدب وصوب، قسم منها يستوعبه الدماغ وتتم معالجته ( ترميز، حل ترميز ، السلوك) بينما لا تتم معالجة القسم الآخر بشكل صحيح؛ لأن الانباءات تكون ناقصة أو فوق طاقة الجهاز العصبي ( جهاز الاستقبال كما هي الحال مثلاً في الكوارث والصدمات بحيث لا تتلائم المنبهات الخطيرة الطارئة مع خبرات الشخص ونماذجه المعرفية؛ لأنها تتخطى الإطار السوي للتجربة الإنسانية، وهذا ما يؤدي إلى حدوث التشويه والاضطراب في معالجة الانباءات، وفي هذه الحالة تبقى الانباءات (المنبهات) الصادمة ناشطة وبشكلها الخام وهي تستمر في ضغطها المؤلم على الشخص الذي يحاول عبثاً أن يبعدها عن عتبة الوعي حتى يشعر بالراحة والأمان (مكتب الإنماء الاجتماعي، 2001: 266).
2- النموذج السيكولوجي: فكرته وضع نموذج نفسي واجتماعي لتفسير اضطراب ما بعد الصدمة حيث إن مصير الصدمة يتوقف من جهة على حدتها وطبيعتها، ومن جهة أخرى على شخصية الفرد المصدوم ودور البيئة، إذ كلما كانت العوامل النفسية والبيئية ملائمة؛ كلما كان الفرد المصدوم قادراً على تخطي آثار الصدمة واستعادة التكيف إلى حد معقول( يعقوب، 1999: 45).
3- نظرية التعلم والتشريط: هناك نوعان من التعلم القائم على الإشراط، وهما:
  • التشريط الكلاسيكي: الذي يدرس ردّات فعل الجسم أو الكائن إزاء ضغوط البيئة (المنبهات) وفيه يكون الفرد خاضعاً لتلك الضغوط، وليس له الخيار في تبديلها( إيفان بافلوف).
  • التشريط الفاعل ( سكنر ) : حيث يكون الشخص قادراً على التحرّك والرد على منبهات البيئة بالشكل الذي يراه مناسباً.
وكلما كان الرد صحيحاً؛ يكون التعزيز ( مكافأة ) حافزاً لاستمرار العمل والعكس بالعكس، فالشخص المصدوم ( حرب، تعذيب، ....) يحاول أن يهرب من المنبهات التي تذكره بالصدمة ( التجنب ) وهذه المنبهات قد أصبحت مؤلمة للشخص؛ لأنها اقترنت بعمليات التعذيب أو تزامنت معها.
من هنا يبدو أن الماضي المؤلم ( التجربة الصادمة) يستمر عبر الحاضر والمستقبل، وكأن الصدمة تطغى على كل شيء بحيث لا يعود التفكير المنطقي يعمل بشكل سليم.
إن النموذج السلوكي يساعد على فهم اضطراب ما بعد الصدمة من خلال نظرية التشريط، فالصدمات والنكبات والحروب تعتبر بمثابة منبهات مطلقة غير مشروطة تؤدي إلى استجابة الخوف وردات فعل فيزيولوجية مطلقة ( أسعد، 1994، 96).

4- النموذج المعرفي: يرمي النموذج المعرفي إلى إدراك معنى الحدث عند الفرد وكيف تظهر لديه المعاناة، ويبدو أن هذا الأمر يتوقف إلى نظرة الفرد إلى ذاته والعالم، فالصدمة تؤدي إلى زعزعة البيانات الشخصية، فنظرة الشخص إلى الواقع وتكيفه معه يرميان إلى تحقيق الأهداف التالية:

  • الحفاظ على التوازن القائم بين كفتي اللذّة والألم.
  • الحفاظ على اعتبار الذات بشكل مقبول.
  • الرغبة في الاتصال والكلام مع الآخرين.
وعلى هذا الأساس فإن هناك ثلاثة معتقدات شخصية تفسر موقف الإنسان السوي من الواقع أو العالم الخارجي وهي:
  • أن هذا العالم هو مصدر الخير والإنشراح.
  • أن لهذا العالم قيمة ومعنى ويمكن التحكم به.
  • أن الأنا لها قيمتها وأهميتها الخاصة ( أنا شخص محبوب وجدير بالتقدير والاحترام).
إن المعتقدات المذكورة موجودة عند الشخص السوي أو العادي والذي يثق بنفسه ويبني آماله من خلال الواقع الذي يعيش فيه وبالتالي لا يتصور بأنه سوف يتعرض لفشل محتم أو لكارثة تخرج عن نطاق المعقول.
5- نظرية ولسون وغموض الهوية: اعتمد Wilson على نظرية أريكسون لدراسة الهوية عند الجنود المقاتلين في فيتنام ووجد أن الجنود المراهقين والذين تتراوح أعمارهم ما بين (18 – 24 ) يتعرضون لضغوط ومخاوف شديدة تعرقل لديهم نمو الهوية الإيجابية، ومن المعلوم أن مرحلة المراهقة المتأخرة هي مرحلة الاستحقاقات (النجاح الأكاديمي، الشهادة والاختصاص، بناء الشخصية وعالم القيم، تحديد المهنة والمستقبل) غير أن الحرب لا تسمح بتحقيق هذه الطموحات وبناء الهوية الإيجابية بشكل ملائم ( الشيخ، 2007: 55).
فقد وجد ولسون أن الجنود المراهقين في حرب فيتنام تنقصهم الهوية الإيجابية والأهداف الواضحة والطموحات، ومن الصفات البارزة لديهم ( التبلد العاطفي والفكري، اليأس، عدم الثقة بالنفس، قلة الطموح، العزلة) وهذا يعني أنهم قد أخفقوا في تحقيق متطلبات النمو وأن هذا النمو قد توقف عند حدود المرحلة السادسة ( العزلة بدل الألفة) فالعزلة قد حلت مكان الألفة وانخفض لديهم تقدير الذات وسيطر الغموض على هويتهم( الحجار، 2004: 154).
6- النموذج البيووجي: حاول بعض الباحثين أن يربط اضطراب ما بعد الصدمة بعمل الدماغ وما يطرأ عليه من تبديلات كيميائية وفيزيولوجية ووظائفية، فالصدمة تؤدي إلى اضطراب في وظيفة الدماغ وبعض أنحاء الجسم، وهذا الاضطراب يظهر على الشكل التالي:
  • ارتفاع في نسبة الكاتيكولامين في الدم.
  • ارتفاع في نسبة الاسيتيلكولين.
  • انخفاض نسبة النورايبنزين.
  • انخفاض نسبة السيرتونين والدوبامين في الدماغ.
إن مصير اضطراب ما بعد الصدمة يتوقف على نشاط الإفرازات المذكورة وكذلك على المواد المخدرة التي يفرزها الدماغ، ويبدو أن الدماغ يقوم بهذه الوظيفة عندما يتعرض الشخص للصدمة وبعد أن تمر الصدمة تحدث حالة شبيهة بالانسحاب والذي نلاحظه في عوارض الانقطاع الفجائي لمتعاطي المخدرات ( يعقوب، 1999: 188) .

ما هي أعراض ما بعد الصدمة ؟

إن السمة المرضية (Psychopathology) الأساسية في هذا الاضطراب هي"الذاكرة الصدمية" (Traumatic Memory) وهذا ينعكس في أعراض نفسية محددة وردت في الدليل التشخيصي والإحصائي الرابع للأمراض النفسية (DSM IV 1994) كما يأتي:
  • أ) تعرض الشخص لحادث صدمي (أذوي) وحدث التالي:
1- مر الشخص بخبرة أو شاهد أو واجه حدثاً أو أحداثاً تضمنت موتاً حقيقياً أو تهديداً بالموت أو إصابة بالغة أو تهديداً شديداً لسلامة الشخص أو الآخرين.
2- تتضمن استجابة الشخص خوفاً شديداً وإحساساً بالعجز والرعب، وفي الأطفال يظهر هذا في صورة سلوك مضطرب أو هجاجة.
  • ب) تتم إعادة معايشة الحدث الصدمي بطريقة أو بأخرى من الطرق التالية:
1- تذكر الحدث بشكل متكرر ومقتحم وضاغط وذلك يتضمن صوراً ذهنية أو أفكاراً أو مدركات.
2- استعادة الحدث بشكل متكرّر وضاغط في الأحلام.
3- التصرف أو الشعور وكأن الحدث الصدمي (الأذوي) عائد.
4- انضغاط نفسي شديد عند التعرض لمثيرات داخلية أو خارجية ترمز إلى أو تشبه بعض جوانب الحدث الرضحي ( الصدمي ) .
5- استجابات فسيولوجية تحدث عند التعرض للمثيرات سابقة الذكر.
ج) التفادي المستمر لأي مثيرات مرتبطة بالحدث إضافة إلى خدر عام في الاستجابات.
د) أعراض زيادة الاستثارة بشكل دائم.
هـ) الأعراض مستمرة لمدة شهر على الأقل (أمّا إذا كانت أقل من شهر فيطلق عليها اضطراب الكرب الحاد).
و) يسبب هذا الاضطراب انضغاطاً إكلينيكياً واضحاً أو يؤدي إلى تدهور في الأنشطة الاجتماعية أو الوظيفية أو جوانب أخرى هامة.
وفي الأطفال ربّما لا نجد عملية استعادة الحدث بالشكل المألوف كالكبار وإنما نجد عملية تمثيل الحدث أثناء اللعب، أو نجد أحلاماً مفزعة لا يستطيع الطفل ذكر محتواها (النابلسي، 1998: 58).

هل يمكن تجنّب اضطراب ما بعد الصدمة ؟

بعض سريعي التعرض للصدمات يستخدمون وسائل ومهارات عسكرية وبعض تقنيات مقتبسة من ثقافات مختلفة وذلك للتحضير لمواجهة الأحداث والمواقف التي قد تسبب الصدمات وبالتالي تحسين قدرتهم على التعافي من الاضطرابات الناتجة عنها.
ويمكن لمثل هذه التقنيات مساعدة الشخص على حماة نفسه ورفع ثقته بذاته مما يجنبه التعرض لاضطرابات ما بعد الصدمة وحماية صحته النفسية والعقلية.
الوعي بالآثار الناجمة عن العنف يمكن أن يساعد في تجنب التعرض للصدمات، ولعل تقديم الدعم مباشرة لمصاب يمكن أن يقلل كثيراً من الاضطرابات إن لم يكن القضاء عليها نهائياً، وربما يساعد القيام بتمرين عضلي مباشرة بعد الحادث في الحد من إفرازات هرمون الأدرينالين.
الوعي بالمشاعر والتعبير عنها في إطار المجموعات العلاجية يمكنه أن يساعد كثيراً في الحد من الآثار الناجمة عن الصدمة كما أن المعرفة باضطرابات ما بعد الصدمة مهم للغاية إذ إنه سيساهم في تقديم الدعم المناسب بشكل سريع للمصاب مما يساعد في التخفيف من حدّة الاضطرابات وصولاً إلى التخلص التام منها، إذا ما شعر أن هناك أحداثاً ما على وشك الوقوع وأنها قد تسبب الصدمات للآخرين، فيجهّز نفسه لتقديم المساعدة من أجل التخفيف من الاضطرابات المتوقعة، ويمكنه أن يستريح بعد ذلك، كما يمكنه أن يعد للمجموعة المحيطة به للقيام بهذا الدور أيضاً.

ما الذي يساعدنا على أن نتجاوز الصدمات التي نمر بها ؟

• القدرة على التعبير عن المشاعر المرافقة للصدمة واسترجاع الموقف بكامله، وهذا يتطلب منّا إتاحة الفرصة لأنفسنا بأن نروي الحادثة ( لأنفسنا أو لأشخاص آخرين) أكثر من مرة كي نفهم ونركب التفاصيل من جديد.
• اكتساب الفرصة لاستعادة السيطرة بشكل تدريجي على مجال الضبط المفقود، وهذا يبدأ ربما بمهمات بسيطة، مثل: تحضير الطعام أو العناية بالمظهر وما شابه ذلك، ونحن نرى أن شفقة الآخرين وتعاطفهم قد تجري أحياناً على عكس هذا الاتجاه تماماً، حيث يقوم محبو المصدوم بتولي تلبية جميع احتياجاته عن حسن نيّة دون أن يعلموا أنهم يؤذونه بهذا ويكرسون أو على الأقل يؤخرون بدء عملية التعافي.
• تلقي الدعم الاجتماعي المناسب:
- مجموعات الدعم النوعية التي تتشكل من أفراد تعرضوا لخبرات متشابهة ليرى بعضهم
معاناة بعض، وربما يتعلم الواحد منهم من الآخر بشكل أيسر ممّا تم إلقاء المحاضرات والعظات عليه ممن لم يتعرضوا لما مر به.
- تلقي الدعممن خلال شبكة العلاقات الاجتماعية المعتادة في حياة الفرد.
- توفر الخدمات الاختصاصية.
- القدرة على إيجاد أو إضفاء معنى للمعاناة ( تعديل الفلسفة الشخصية في الحياة).
- زيادة المهارات الشخصية وخاصة القدرة على إدارة الانفعالات(بركات، 2007: 24 – 25 ) .

لماذا يتعافي بعض الناس من أثار الصدمات بينما لا يتعافي البعض الآخر ؟

بعض المشاكل المحددة التي ترافق اضطرابات ما بعد الصدمة:

  1. النوبات العنيفة: بعض المصابين قد يتعرضون لنوبات حادة عند مرورهم بمواقف وأحداث تذكرهم بالصدمة التي تعرضوا لها، وقد تشمل الأعراض الجسدية هنا سرعة واضطراب ضربات القلب والتعرق الشديد والشعور بضيق التنفس أو الاختناق، والارتعاش في الجسد، آلام في الصدر، الغثيان، الدوخان، ارتفاع حرارة الجسم، الخدر في الجسم، أو الشعور بوخز في الجسم، كما يمكن أن يشعر المصاب بأعراض نفسية كالشعور أنه غير حقيقي أو الخوف من الإصابة بالجنون أو الخوف من الموت ومن الإصابة بنوبات قلبية.
  2. السلوك الانزوائي الحاد: أحياناً كثيرة لا يقتصر التجنب على المواقف المرتبطة بالحادث؛ وإنما يصبح الإنزواء سلوكاً يومياً يطال كافة جوانب حياة المصاب وقد تزداد حدّة هذه الحالة لدرجة يحبس المصاب نفسه في البيت.
  3. الاكتئاب: أحياناً كثيرة يتعرض المصابون لشعور بالاكتئاب وعدم الرغبة في القيام بالأعمال التي كانت تشكّل مصدر متعة لهم فيما مضى، كما قد يتكون لديهم شعور بالاختناق وأحياناً يلومون أنفسهم على ما حدث ويحملون ذاتهم المسئولية عن الخطأ الذي قادهم للتعرض للصدمة رغم أن هذا يبدو غير صحيح بشكل قطعي.
  4. التفكير والشعور بالرغبة في الانتحار: أحياناً يصل الاكتئاب بالمصاب إلى مرحلة التفكير بالانتحار.
  5. الشعور بالغربة والانعزال: المصابون باضطرابات ما بعد الصدمة يحتاجون إلى الدعم من الآخرين، إلا أنهم كثيراً ما يشعرون بالغربة والعزلة والبعد عمن يمكن أن يقدم لهم المساعدة والعون ويعتقدون أنه من الصعب أن يتفهم الآخرون الظروف التي مروا فيها وربما يشعرون أنه ليس من الممكن أن يقوموا بأي دور اجتماعي جديد، ويلاحظ هنا أن اضطراب العلاقة مع الأصدقاء والمحيطين والأهل من أهم الآثار التي ترافق أولئك الذين يتعرضون للصدمات.
  6. الغضب: يعتبر من ضمن ردات الفعل الطبيعية لدى من يتعرضون للصدمات فعند تعرضك لاعتداء ما؛ فإن الشعور بالغضب ما هو إلاّ ردّة فعل طبيعية ومبررة، إلا أن الغضب المتواصل قد يؤثر سلباً على فترة العلاج كونه سيؤخر من المدّة اللازمة لإعادة الانسجام مع الآخرين سواء في البيت أو العمل أو مع الأصدقاء أو حتى مع من يقدمون العلاج.
  7. التأثير السلبي على المهام اليومية: بعض من يتعرضون من اضطرابات ما بعد الصدمة يعانون من صعوبات في القيام بوظائفهم الاعتيادية التي اعتادوا القيام بها أو الالتزام بمهام جديدة وواجبات يومية.
  8. عدم القدرة على السيطرة على البكاء: أحياناً يأخذ المصابون بالبكاء لفترات متواصلة، فتذكّر الحدث يسبّب للمصاب شعوراً بالحزن العميق والذي يعبر عنه بالبكاء المتواصل الذي يكون أحياناً صامتاً وأحياناً يترافق مع الصراخ.
  9. الاضطرابات التي تظهر على المدى البعيد: بالرغم من أن أعراض اضطرابات ما بعد الصدمة تظهر مباشرة بعد الحادث ( خلال أسابيع عادةً )، إلاّ أن بعض الأعراض لا تظهر إلاّ على المدى البعيد، أي بعد شهور أو حتى سنوات، وقد تظهر هذه الأعراض في الذكرى السنوية لتعرض الشخص للصدمة أو ربما لدى تعرضه لحدث أو موقف مشابه للحدث الأصلي (www.activist-trauma.net ).

كيف يمكننا التكيّف بعد الصدمة ؟

يمكن لمستوى التكيف بعد الصدمة أن يأخذ واحدة من ثلاث وضعيات ممكنة وهي :
  • الوضعية الأولى: يعود مستوى التكيف بعد الصدمة إلى حالته التي كان عليها قبل الصدمة، وقد يعود هذا إلى قوى الفرد وطاقاته الاحتياطية، وإلى مرونته وإلى انخفاض الأضرار التي رافقت الصدمة بما يمكّن الفرد من أن يتجاوزها ويعود إلى سيرة حياته السابقة.
  • الوضعية الثانية: يرتفع مستوى التكيف في مرحلة ما بعد الصدمة مصداقاً للقول المشهور (الصدمات التي لاتقصم الظهر تقويه) وفي هذه الحالة تحسّن الصدمة من أسلوب تكيف الفرد رغم ما فيها من قوة وخسارة مؤقتة؛ بسبب زيادة تمسك الفرد المصدوم بالحياة، وشعوره بقيمة الأفراد والأشياء المحيطة به وتتحسّن علاقته بكل منهم بشكل ملحوظ.
  • الوضعيةالثالثة: أن يخسر الفرد من مستوى تكيفه الذي كان يتمتع به قبل الصدمة، فيضطرب ترتيب أولويات الحاجات الأساسية لديه، وربما يلحق مثل هذا بالقيم التي يعتنقها، فيما كاد يشبه نكوصاً إلى أسلوب تكيفي أقل نضجاً، إنه يعود إلى قضاء حاجاته ولكن تتغير نظرته إلى نفسه وإلى العالم من حوله بشكل سلبي، تتغير فلسفته إلى الحياة وربما يتغير من شخص متشائم، ويتغير أسلوب تفكيره ومواجهته لمشكلات الحياة اليومية فيما بعد إلى شكل أقل تكيفاً، ولمزيد من فهم تأثير الصدمة علينا أن نفهم هنا مسألة قدرة الإنسان على ضبط شروط الحياة من حوله ( بركات، 2007: 18) .

التوصيات: 

وفي ختام هذه الورقة لا يسع الباحث إلاّ أن يقدّم عدداً من الاقتراحات العملية التي ستساعد على مواجهة هذا النوع من الازمات:
• كن واعياً لردود فعلك أنت على الحدث – يتدبر الأطفال أمر رد فعلهم على وضع بمشاهدة ردود فعل الكبار ذات المعنى حولهم (كالوالدين والمعلمين) ولهذا حاول، قدر الإمكان أن تتصرف بهدوء وسكينة ولكي تفعل هذا؛ فانك قد ترغب في مشاطرة أفكارك ومشاعرك مع أصدقائك أو أفراد عائلتك قبل التحدث مع طفلك.
• كرّس اهتماماً أكثر لطفلك - إن الاهتمام الإضافي من جانبك، وخاصة في الأوضاع العسيرة، يعطي لطفلك الفرصة للتعبير عن تجاوبه والشعور بالأمان، فإذا أراد طفلك أن يتحدث عن المشاعر، فكن له سنداً ومشجعاً، وأظهر له تفهمك وتقبلك لهذه المشاعر عن طريق الشرح بأن مشاعر، كالخوف والغضب والذنب كلها ردود فعل اعتياديه لحدث "غير اعتيادي" كهذا.
• ذكّر نفسك وعائلتك بالوازع الديني وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن هذا مقدّر من عند الله تبارك وتعالى، مع الإكثار من الدعاء واللجوء إلى الله تبارك وتعالى.
• كن حسّاساً لمستوى فهم طفلك - وجه المعلومات التي تزود بها الطفل بحيث تتلاءم مع سنّه ومستوى نضجه.. فالفائض من المعلومات قد يربك الأطفال الصغار ويسبّب لهم مزيداً من الخوف وعدم الاطمئنان، غير أن معلومات إضافية يمكن غالباً أن تزيل التصورات المغلوطة، ومن المهم تشجيع المحادثة، لكن إذا لم يظهر الطفل اهتماماً بالحديث، فلا تقحمه عليه، وعلى أية حال، فإن من المهم عدم إثارة تكهنات لا أساس لها من الصحة أو تقديم معلومات غير صحيحة عن ما حادث.
• حدّد تعريض طفلك لوسائل الإعلام - تجنب تعريض طفلك للتقارير المصورة والمنقولة مباشرة من مكان الأحداث الصادمة، هذا الأمر مهم جداً خاصة في المجموعات العمرية لرياض الأطفال والمدارس الابتدائية... وغالباً ما يكون الأهل أنفسهم منهمكين (مستغرقين) في الدراما التي يعرضها التلفزيون لدرجة أنهم لا يعون بأن أبناءهم قد يتعرضون لشريط تلفزيوني يسبّب لهم فيما بعد كوابيس وأفكاراً مُكدَّره.
• حاول المحافظة على روتين اعتيادي، وزوّد طفلك برسائل مُطمئنة وواقعية عن سلامته، تحدث مع طفلك عن كيفية تجنب الاوضاع الصادمة والمكّدرة في المستقبل؛ لأن من شأن هذا الحديث معهم أن يعزّز إحساسهم بالسلامة والسيطرة على الوضع ، ثم إن تشجيع العودة الى الروتين اليومي مطمئن جداً للأطفال ويحمل معه رسالة قوية عن السلامة بطريقة غير شفوية لكنها مباشرة.
• كن منتبهاً لتصرفات تدل على كرب - انتبه لأنماط اللعب التي تعيد تمثيل الدراما المرة بعد الأخرى وانتبه أيضاً للشكاوي من "أحلام مزعجة "، فهذه تصرفات طبيعية بعد حدث صادم، وهي الطريقة التي يواجه بها الطفل الصدمة، أما اذا لم يطرأ تغيير على شدّة وتكرار هذه التصرفات بعد شهر أو إذا ازدادت حدّةً فلا بد من النظر في طلب مساعد مهنية.
• كن منتبهاً بشكل خاص لمراهقين يبدون اشارات كرب، يجب أن نكرّس رعاية وانتباهاً خاصين للحديث عن أو التفكير في اضطرابات الأكل والنوم وإظهار غضب غير عاديّ عند المراهقين، ويجب معالجة هذه الأعراض فوراً؛ لأنها لا تختفي عموماً من تلقاء ذاتها بدون معالجة مهنية .
• انتبه لوضعك العاطفي أنت - كونك الدعامة الرئيسة التي يعتمد عليها طفلك يحتم عليك ان تعتني بنفسك عنايةً لائقة، وابق على اتصال مع العائلة والأصدقاء، وشارك غيرك من الكبار في مشاعرك وخاصةً أولئك الذين مرّوا بتجارب مماثلة لما تمر به أنت، وحاول أن تأكل طعاماً متوازناً، وخذ قسطاً كافياً من النوم وأضف تمارين بدنية وغيرها من فعاليات التسلية الى روتين حياتك، ومرة أخرى – لا تتردد في اللجوء الى طلب مساعدة نفسية مهنية. إمّا للاستشارة أو للمعالجة إذا بدا لك أنك أو ابنك بحاجة اليها.

المراجع:

1- أسعد ،ميخائيل (1994): علم الاضطرابات السلوكية، ط1، دار الجيل، بيروت.
2- بركات، مطاع (2007): الأسعاف النفسي الأولي لضحايا الصدمات والكوارث، دمشق.
3- بلانش، جان (1985): معجم مصطلحات التحليل النفسي، ترجمة: مصطفى حجازي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت.
4- الحجار، محمد حمدي (2004): أبحاث في علم النفس السريري والإرشادي، دار العلم للملايين، بيروت.
5- النابلسي، محمد أحمد (1991) : الصدمة النفسية، علم نفس الكوارث والحروب، دار النهضة، بيروت.
6- مكتب الإنماء الاجتماعي (2001): سلسلة تشخيص الاضطرابات النفسية واضطرابات الضغوط التالية للصدمة، ط1، الديوان الأميري، الكويت.
7- يعقوب، غسان (1999): سيكولوجيا الحروب والكوارث ودور العلاج النفسي: اضطراب ضغوط ما بعد الصدمة، دار الفارابي، بيروت.
تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -