" الأرملة السوداء": حكاية بحث على حدود العتمة والعظمة

د. عبد المجيد صديقي- المغرب . تطرق رواية" الأرملة السوداء"، للروائي الفلسطيني ـ الأردني صبحي فحماوي، موضوع انبثاق المعاني السامية من أعماق عالم الهامش انبثاق النور من العتمة، عالم ذات مسحوقة في واقع ممزق تتسم بنياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بكثافتها وتعقيدها الشديدين، فتعرضه من خلال شكل روائي متشظ، يتجلى في ترتيب الفصول، وفي تحول نبراته وحبكات مقاطعه، التي لا تكتفي بعرض الأهواء النفسية الفردية للشخصيات السردية للرواية عبر استيحاء فضاء أسطوري كوني مسكوك، بل تروم توجيه القارئ نحو تفعيل شعور الارتباط القائم بين هذه الذات وبين وعيها الكوني وسلوكها الجمعي معا، ونحو آليات الإبقاء على كينونتها الحضارية، ونهج السبل الكفيلة بتعزيز وحدة طبيعتها الإنسانية، و بتحقيق تنميتها الاجتماعية، حتى لا تتلاشى وتنقرض وتؤول إلى زوال في ظل الانقسام القائم بين مكوناتها، وقي غمرة" أرضة" الزمن السوداء التي تقضمها، أي الذات الفلسطينية خصوصا والعربية بوجه عام، دون هوادة بين مطرقة الوحدانية" وسندان الكآبة والاكتئاب والتهميش، بل والقتل والتقتيل.  والحالة هذه، فنحن أمام رواية صدرت في طبعتها الأولى عن دار الهلال المصرية في آيار 2011 م. ثم صدرت في طبعتها الثانية عن مكتبة الأسرة الأردنية 2015، تتألف من 262 صفحة من الحجم المتوسط، وتتوزع على سبعة وعشرين فصلا معنونا، بقدر ما تشير، في اعتقادي، إلى طبيعة التفتت والتشظي والتجزئ التي تعتري هذا الواقع/ العالم الذي تعرضه الرواية، بقدر ما تعبر عن رؤية فسيفسائية للعالم، وعن أسلوب متفرد في الكتابة الروائية العربية، ففضلا عن العتبات والإهداء، تم تقسيم الصفحات العشر الأخيرة بين توضيحات ومراجع، والتعريف بالروائي صبحي فحماوي من خلال سيرته الأدبية.  ولأجل عرض الكيفية التي يرتئي من خلالها السارد إعادة العلاقة بين الرجل والمرأة، بصفتهما معا كائنين إنسانيين متساويين، إلى حالتها الطبيعية، وتجاوز التصورات القائمة على الخداع والمكر والمؤامرة بينهما، عمد إلى سرد قصة نجاح مصالحة بين رجل ترهبه المرأة وتخيفه مع امرأة ناقمة على الرجل وظالمة له. مثلما عمد، أي السارد، إلى تمثيل هذا الواقع المعيش المفتت، كما تعكسه، على الأقل، عناوين الفصول السبعة والعشرين، فعرضه أمامنا، وهو ينحو نحو استشراف وإعادة بناء واقع مغاير تماما لهذا الواقع القائم. لذا، لجأ إلى استحضار أسطورة" شهريار" وشهرزاد" عبر إعادة بعث روحيهما معا، في أيامنا هذه، في جسد طفل/ شاب فلسطيني مغترب مع أسرته في عمان يسمى شهريار، وطفلة/ شابة، لها نفس أصول شهريار، تسمى شهرزاد، وعلى أساس هذا الحديث عن هذه الخصوصية الحميمة، وهذا التطابق الأبدي بينهما معا، نسج لهما علاقات ومواقف ومصادفات تولدت عن حركتها أسئلة قديمة/ جديدة تتعلق بمعاني الأنوثة والذكورة والأمومة والأبوة، والأنا والآخر، والواقع والمتخيل.  لعبة العنوان: الأرملة السوداء يشعر قارئ عنوان رواية" الأرملة السوداء" منذ الوهلة الأولى بالتباس دلالي يدفعه إلى التأمل في إيحاءاته ومدلولاته، وفي العلاقة القائمة بين كلمتي" الأرملة" و"السوداء" اللتان تلقيان معا بظلالهما على النص. فهل الأمر يتعلق بعلاقة وصف، حيث تشير الكلمة الأولى إلى المرأة التي فقدت بعلها، أو مات معيلها؟. بينما تشير الثانية، إلى صفة السواد التي تميز هذه الأرملة، سواء تعلق الأمر برداء حدادها، أو تعلق بلون بشرتها!. أو إن كان الأمر يتعلق بنوع من العناكب يحمل هذا الإسم؟. وهكذا، سيلاحظ القارئ أن عنوان" الأرملة السوداء" ورد بصيغته الكاملة في الصفحات ( 13 ـ 32 ـ 13 )، وبصيغته الجزئية في الصفحة 188، وفي هامش الصفحتين( 256 و 257) من خلال فقرة مقتبسة من رواية( أصوات الليل ) لمحمد البساطي.  وإذا كان السارد قد عمد إلى إيهام القارئ بإزالة هذا الالتباس في نهاية الفصل الأول المعنون بـ"هي"، والذي يعرض من خلاله مشهدا تناسليا شبقا ومميتا للذكر في نهايته، وعمد إلى إخبارنا بأن الأمر في هذا المشهد السردي يتعلق بـ" أحد الأفلام الوثائقية التي شاهدها المدعي العام شهريار في مركز البحث الجنائي، الذي يعرض قضايا ثقافية تتعلق بالجنايات الكبرى لدى الناس والحيوانات معا، وذلك في مجال بحثه، لتقديم رسالة دكتوراه حول" الجريمة النسوية" بعنوان الأرملة السوداء"، فخرج من هناك مبهورا بتصرفات العناكب!."([1]) فقد ختم، أي السارد، نهاية السطر الأخير بكتابة عبارة" الأرملة السوداء" منفردة، وكأنها تقوم مقام توقيع السارد مع القارئ ميثاق قراءة رواية" الأرملة السوداء" بصفتها" رواية" و"أطروحة" في الآن ذاته.  وتبعا لذلك، سيعود السارد ليذكرنا في الفصل الثالث المعنون بـ" عقدة شهريار" في الصفحة 32 بأن شهريار، الشخصية الرئيسة، صار" اليوم مدعيا عاما معروفا، بعد أن حصل على درجة الماجستير في تخصص الجنايات، يواصل رصده الذكوري، ويحضر لتقديم رسالة الدكتوراه الموعودة، تحت عنوان( الأرملة السوداء).([2]) مثلما سنجده، كذلك، في الصفحة 143 يعود فيشرح للأخصائي النفسي بديع الطاهر تحديات الانقراض التي يتعرض لها الذكر إنسانا كان أو حيوانا، بأن" علاقة الأنثى بالذكر، لا تختلف عن علاقة" الأرملة السوداء" بذكر العنكبوت!"([3]).  أما في الصفحة 188، فأثناء متابعة القارئ حديث الدكتور علاء الكاشف حول معاناة الرجل، وخاصة الرجل الإفريقي المستعمر الذي يساق للقتل بينما تساق زوجته لخدمة الرجل الأبيض، وفي أحسن الأحوال يموت الرجال" في الحروب وينتهون+، وأما أراملهم فهن يقبضن معاشات الشهداء، ويواصلن الحياة"([4]). يتابع كذلك، على هامش الصفحة، استشهاده بقول مقتبس من رواية( أصوات الليل) لمحمد البساطي، حيث" العربة مكدسة بهن.. يلبسن الأسود.. أمس الأول صرفن المعاش بالزيادة.. تتساءل" أرملة شهيد" قائلة: هو صحيح يا خالة أنه طلع قانون جديد يسمح للواحدة تتزوج وتأخذ المعاش؟ تضحك" الأرملة" بدرية وتقول جاء القطار رحمة لنا"([5]).  وفي ضوء الإحالات السالفة، يبدو في اعتقادي أن السارد يستعير لفظة السواد والليل والظلمة والعتمة للدلالة على صورة المجتمع/ الشعب كقولنا: السواد الأعظم من الناس. ثم إنه وهو يدفع بالقارئ إلى أن يشعر بنوع من التعاطف نحو هذا الكائن الفريد الذي يظهر فرط غرابته، وفرط ما يزخر به هذا اللقاء التناسلي الشبق، من قوة خارقة ومن قدرة الأنثى على التجديد في الطبيعة، ومن فتنة وسر ومفاجأة تنتهي بسحق الذكر. كما يبدو أن السارد قد استعار هذا الكائن لأنه يستمد استمراريته من تضحياته، ولأن حال وجوده شبيه بحال وجود شعب وجد نفسه هكذا محاصرا بشكل تكثف خلاله رحلة موت وحياة مجتمع في مصير فرد واحد." وهو يفكر في مآسي قاع المدينة"([6]).  وفي هذا السياق، حيث يلاحظ القارئ أن السارد قد عمد إلى توجيه نظره نحو القسم الأسفل من الصفحة ( الأرملة السوداء ـ رواية أطروحة ) فهو يبتغي بذلك توجيهه، في اعتقادي، في مستوى أول، إلى تلك" الطبقة العميقة للكتابة" التي تعد، وفقها، الحكايات الشعبية المتسلسلة على غرار حكاية شهرزاد وشهريار. وتوجيهه، من ثم، في مستوى ثان، إلى هذا المخلوق الإنساني الذي يعيش على هامش المجتمع، ويرزح في الطبقات السفلى. فبتأهيله يمكن أن تتغير ظروف التواصل العام داخل المجتمع الذي سيسهم، بدوره، وفي انبثاق وتوالد الأشكال الجماعية للإبداع، وفي استمرار حركة عجلته في الدوران.  كما يوجه السارد نظر القارئ، في مستوى ثالث، إلى هذه الكتابة الروائية التي تقدمها" سوزان روبين سليمان" للرواية الأطروحة في مؤلفها" الرواية الأطروحة أو السلطة الخيالية" بوصفها" جسرا بين" رواية" وأطروحة""([7])، ذلك بأنه في الوقت الذي تنادي فيه الرواية الواقعية" بإعادة تعقيد وتكثيف الواقع اليومي المعيش، تتموقع الرواية الأطروحة، على العكس من ذلك، أمام ضرورة تمثيل مبسط لتمثلاته ومقنع لمستلزماته"([8]).  [1] ـ فحماوي، صبحي، الأرملة السوداء، رواية، وزارة الثقافة الفلسطينية، ط 3، 2015، ص، 13. [2] ـ نفسه، ص، 32. [3] ـ فحماوي، صبحي، الأرملة السوداء، رواية ص، 143. [4] ـ نفسه، ص، 188. [5] نفسه، هامش الصفحتين، 256 ـ 257، نقلا عن رواية محمد البساطي، أصوات الليل، روايات الهلال، العدد 591، ص، 141 ـ 144. [6] ـ فحماوي، صبحي، الأرملة السوادء، ص، 199. [7] ـ73( puf) cenraF de Univesitaires essesrP a thése ou Roman el Susan Rubin Suleiman

د. عبد المجيد صديقي- المغرب .

تطرق رواية" الأرملة السوداء"، للروائي الفلسطيني ـ الأردني صبحي فحماوي، موضوع انبثاق المعاني السامية من أعماق عالم الهامش انبثاق النور من العتمة، عالم ذات مسحوقة في واقع ممزق تتسم بنياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بكثافتها وتعقيدها الشديدين، فتعرضه من خلال شكل روائي متشظ، يتجلى في ترتيب الفصول، وفي تحول نبراته وحبكات مقاطعه، التي لا تكتفي بعرض الأهواء النفسية الفردية للشخصيات السردية للرواية عبر استيحاء فضاء أسطوري كوني مسكوك، بل تروم توجيه القارئ نحو تفعيل شعور الارتباط القائم بين هذه الذات وبين وعيها الكوني وسلوكها الجمعي معا، ونحو آليات الإبقاء على كينونتها الحضارية، ونهج السبل الكفيلة بتعزيز وحدة طبيعتها الإنسانية، و بتحقيق تنميتها الاجتماعية، حتى لا تتلاشى وتنقرض وتؤول إلى زوال في ظل الانقسام القائم بين مكوناتها، وقي غمرة" أرضة" الزمن السوداء التي تقضمها، أي الذات الفلسطينية خصوصا والعربية بوجه عام، دون هوادة بين مطرقة الوحدانية" وسندان الكآبة والاكتئاب والتهميش، بل والقتل والتقتيل.

والحالة هذه، فنحن أمام رواية صدرت في طبعتها الأولى عن دار الهلال المصرية في آيار 2011 م. ثم صدرت في طبعتها الثانية عن مكتبة الأسرة الأردنية 2015، تتألف من 262 صفحة من الحجم المتوسط، وتتوزع على سبعة وعشرين فصلا معنونا، بقدر ما تشير، في اعتقادي، إلى طبيعة التفتت والتشظي والتجزئ التي تعتري هذا الواقع/ العالم الذي تعرضه الرواية، بقدر ما تعبر عن رؤية فسيفسائية للعالم، وعن أسلوب متفرد في الكتابة الروائية العربية، ففضلا عن العتبات والإهداء، تم تقسيم الصفحات العشر الأخيرة بين توضيحات ومراجع، والتعريف بالروائي صبحي فحماوي من خلال سيرته الأدبية.

ولأجل عرض الكيفية التي يرتئي من خلالها السارد إعادة العلاقة بين الرجل والمرأة، بصفتهما معا كائنين إنسانيين متساويين، إلى حالتها الطبيعية، وتجاوز التصورات القائمة على الخداع والمكر والمؤامرة بينهما، عمد إلى سرد قصة نجاح مصالحة بين رجل ترهبه المرأة وتخيفه مع امرأة ناقمة على الرجل وظالمة له. مثلما عمد، أي السارد، إلى تمثيل هذا الواقع المعيش المفتت، كما تعكسه، على الأقل، عناوين الفصول السبعة والعشرين، فعرضه أمامنا، وهو ينحو نحو استشراف وإعادة بناء واقع مغاير تماما لهذا الواقع القائم. لذا، لجأ إلى استحضار أسطورة" شهريار" وشهرزاد" عبر إعادة بعث روحيهما معا، في أيامنا هذه، في جسد طفل/ شاب فلسطيني مغترب مع أسرته في عمان يسمى شهريار، وطفلة/ شابة، لها نفس أصول شهريار، تسمى شهرزاد، وعلى أساس هذا الحديث عن هذه الخصوصية الحميمة، وهذا التطابق الأبدي بينهما معا، نسج لهما علاقات ومواقف ومصادفات تولدت عن حركتها أسئلة قديمة/ جديدة تتعلق بمعاني الأنوثة والذكورة والأمومة والأبوة، والأنا والآخر، والواقع والمتخيل.

لعبة العنوان: الأرملة السوداء

يشعر قارئ عنوان رواية" الأرملة السوداء" منذ الوهلة الأولى بالتباس دلالي يدفعه إلى التأمل في إيحاءاته ومدلولاته، وفي العلاقة القائمة بين كلمتي" الأرملة" و"السوداء" اللتان تلقيان معا بظلالهما على النص. فهل الأمر يتعلق بعلاقة وصف، حيث تشير الكلمة الأولى إلى المرأة التي فقدت بعلها، أو مات معيلها؟. بينما تشير الثانية، إلى صفة السواد التي تميز هذه الأرملة، سواء تعلق الأمر برداء حدادها، أو تعلق بلون بشرتها!. أو إن كان الأمر يتعلق بنوع من العناكب يحمل هذا الإسم؟. وهكذا، سيلاحظ القارئ أن عنوان" الأرملة السوداء" ورد بصيغته الكاملة في الصفحات ( 13 ـ 32 ـ 13 )، وبصيغته الجزئية في الصفحة 188، وفي هامش الصفحتين( 256 و 257) من خلال فقرة مقتبسة من رواية( أصوات الليل ) لمحمد البساطي.

وإذا كان السارد قد عمد إلى إيهام القارئ بإزالة هذا الالتباس في نهاية الفصل الأول المعنون بـ"هي"، والذي يعرض من خلاله مشهدا تناسليا شبقا ومميتا للذكر في نهايته، وعمد إلى إخبارنا بأن الأمر في هذا المشهد السردي يتعلق بـ" أحد الأفلام الوثائقية التي شاهدها المدعي العام شهريار في مركز البحث الجنائي، الذي يعرض قضايا ثقافية تتعلق بالجنايات الكبرى لدى الناس والحيوانات معا، وذلك في مجال بحثه، لتقديم رسالة دكتوراه حول" الجريمة النسوية" بعنوان الأرملة السوداء"، فخرج من هناك مبهورا بتصرفات العناكب!."([1]) فقد ختم، أي السارد، نهاية السطر الأخير بكتابة عبارة" الأرملة السوداء" منفردة، وكأنها تقوم مقام توقيع السارد مع القارئ ميثاق قراءة رواية" الأرملة السوداء" بصفتها" رواية" و"أطروحة" في الآن ذاته.

وتبعا لذلك، سيعود السارد ليذكرنا في الفصل الثالث المعنون بـ" عقدة شهريار" في الصفحة 32 بأن شهريار، الشخصية الرئيسة، صار" اليوم مدعيا عاما معروفا، بعد أن حصل على درجة الماجستير في تخصص الجنايات، يواصل رصده الذكوري، ويحضر لتقديم رسالة الدكتوراه الموعودة، تحت عنوان( الأرملة السوداء).([2]) مثلما سنجده، كذلك، في الصفحة 143 يعود فيشرح للأخصائي النفسي بديع الطاهر تحديات الانقراض التي يتعرض لها الذكر إنسانا كان أو حيوانا، بأن" علاقة الأنثى بالذكر، لا تختلف عن علاقة" الأرملة السوداء" بذكر العنكبوت!"([3]).

أما في الصفحة 188، فأثناء متابعة القارئ حديث الدكتور علاء الكاشف حول معاناة الرجل، وخاصة الرجل الإفريقي المستعمر الذي يساق للقتل بينما تساق زوجته لخدمة الرجل الأبيض، وفي أحسن الأحوال يموت الرجال" في الحروب وينتهون+، وأما أراملهم فهن يقبضن معاشات الشهداء، ويواصلن الحياة"([4]). يتابع كذلك، على هامش الصفحة، استشهاده بقول مقتبس من رواية( أصوات الليل) لمحمد البساطي، حيث" العربة مكدسة بهن.. يلبسن الأسود.. أمس الأول صرفن المعاش بالزيادة.. تتساءل" أرملة شهيد" قائلة: هو صحيح يا خالة أنه طلع قانون جديد يسمح للواحدة تتزوج وتأخذ المعاش؟ تضحك" الأرملة" بدرية وتقول جاء القطار رحمة لنا"([5]).

وفي ضوء الإحالات السالفة، يبدو في اعتقادي أن السارد يستعير لفظة السواد والليل والظلمة والعتمة للدلالة على صورة المجتمع/ الشعب كقولنا: السواد الأعظم من الناس. ثم إنه وهو يدفع بالقارئ إلى أن يشعر بنوع من التعاطف نحو هذا الكائن الفريد الذي يظهر فرط غرابته، وفرط ما يزخر به هذا اللقاء التناسلي الشبق، من قوة خارقة ومن قدرة الأنثى على التجديد في الطبيعة، ومن فتنة وسر ومفاجأة تنتهي بسحق الذكر. كما يبدو أن السارد قد استعار هذا الكائن لأنه يستمد استمراريته من تضحياته، ولأن حال وجوده شبيه بحال وجود شعب وجد نفسه هكذا محاصرا بشكل تكثف خلاله رحلة موت وحياة مجتمع في مصير فرد واحد." وهو يفكر في مآسي قاع المدينة"([6]).

وفي هذا السياق، حيث يلاحظ القارئ أن السارد قد عمد إلى توجيه نظره نحو القسم الأسفل من الصفحة ( الأرملة السوداء ـ رواية أطروحة ) فهو يبتغي بذلك توجيهه، في اعتقادي، في مستوى أول، إلى تلك" الطبقة العميقة للكتابة" التي تعد، وفقها، الحكايات الشعبية المتسلسلة على غرار حكاية شهرزاد وشهريار. وتوجيهه، من ثم، في مستوى ثان، إلى هذا المخلوق الإنساني الذي يعيش على هامش المجتمع، ويرزح في الطبقات السفلى. فبتأهيله يمكن أن تتغير ظروف التواصل العام داخل المجتمع الذي سيسهم، بدوره، وفي انبثاق وتوالد الأشكال الجماعية للإبداع، وفي استمرار حركة عجلته في الدوران.

كما يوجه السارد نظر القارئ، في مستوى ثالث، إلى هذه الكتابة الروائية التي تقدمها" سوزان روبين سليمان" للرواية الأطروحة في مؤلفها" الرواية الأطروحة أو السلطة الخيالية" بوصفها" جسرا بين" رواية" وأطروحة""([7])، ذلك بأنه في الوقت الذي تنادي فيه الرواية الواقعية" بإعادة تعقيد وتكثيف الواقع اليومي المعيش، تتموقع الرواية الأطروحة، على العكس من ذلك، أمام ضرورة تمثيل مبسط لتمثلاته ومقنع لمستلزماته"([8]).

[1] ـ فحماوي، صبحي، الأرملة السوداء، رواية، وزارة الثقافة الفلسطينية، ط 3، 2015، ص، 13.
[2] ـ نفسه، ص، 32.
[3] ـ فحماوي، صبحي، الأرملة السوداء، رواية ص، 143.
[4] ـ نفسه، ص، 188.
[5] نفسه، هامش الصفحتين، 256 ـ 257، نقلا عن رواية محمد البساطي، أصوات الليل، روايات الهلال، العدد 591، ص، 141 ـ 144.
[6] ـ فحماوي، صبحي، الأرملة السوادء، ص، 199.
[7] ـ73( puf) cenraF de Univesitaires essesrP a thése ou Roman el Susan Rubin Suleiman
تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -