أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

الأمية تحرم نساء تونسيات من العمل

الأمية تحرم نساء تونسيات من العمل

الأمية تحرم نساء تونسيات من العمل  وكالة أخبار المرأة "حرمني ضيق ذات اليد من الدراسة في صغري، كذلك حرمني من العمل عندما كبرت وأردت الاعتماد على نفسي والبحث عن مهنة أسترزق منها. لم يكن ترك مقاعد الدراسة أمراً بيدي، فأنا من إحدى المناطق الريفية في محافظة جندوبة (أقصى شمال غربي تونس). وقد اضطر والدي إلى الاختيار ما بين تعليمي وتعليم أخي، بسبب الفقر. وبالتأكيد، تُمنَح الفرصة في مثل تلك الجهة للذكور، ونبقى نحن الإناث في البيوت للمساعدة في الشؤون المنزلية أو القيام بالأعمال الزراعية". هكذا تختصر رقية بن عبد الله واقعها، وهو واقع يتكرّر لدى نساء تونسيات كثيرات. تضيف المرأة التونسية البالغة من العمر 37 عاماً لـ"العربي الجديد": "لم أعمل سابقاً ولم أبحث عن أيّ فرصة عمل بعيداً عن عائلتي. لكنّني، بسبب تراجع مداخيل الزراعة بعد وفاة والدي، اضطررت إلى البحث عن عمل معينةً منزليةً أو حتى تعلّم أيّ حرفة أو مهنة في أيّ مصنع في المدينة. وكانت المشكلة أنّني كلّما طرقت باباً طُلب منّي تحديد مستوى تعليمي، فيما أنا لم أحقّق أدنى درجاته". وتشرح رقية أنّ "ثمّة أصحاب بيوت يشترطون أن تكون المعينة قادرة على القراءة على الأقلّ. فعدم قدرتها على ذلك يعرقل قدرتها على الاهتمام بشؤون البيت بحسب بعض هؤلاء، كذلك الأمر في ما يتعلق بمساعدة الأبناء في أمر ما، بالإضافة إلى أنّه لا يمكن التعويل عليها لسداد فواتير الكهرباء والمياه على سبيل المثال، نظراً إلى عدم قدرتها على التثبّت من أيّ أوراق أو قراءتها". وتلفت رقية إلى أنّها لم تتوقع أن تكون أميتها سبباً في عدم قدرتها على تحصيل عمل بسيط، "فثمّة مهن لا تتطلب تعليما ولا أيّ مستوى دراسي، غير أنّ محاولاتي في البحث عن عمل باءت بالفشل". الأمر نفسه تواجهه مفيدة بوغابة البالغة من العمر 34 عاماً، فهي لم تُوفَّق بعمل بسبب عدم قدرتها على القراءة والكتابة، لا سيّما أنّ الأعمال الزراعية باتت اليوم تتطلب تكويناً في كيفية جمع المحصول أو العناية بالأبقار والأغنام، ومراكز التكوين بمعظمها تتطلب حداً أدنى من الكتابة والقراءة. وتخبر مفيدة "العربي الجديد": "توجّهت إلى بعض المصانع، سواء مصانع الخياطة أو مصانع المواد الغذائية أو حتى فرز الغلال والخضراوات، لكنّ الحظ لم يسعفني في الحصول على فرصة لعدم قدرتي على قراءة عقد العمل أو إمضائه أو للمشاركة في بعض الدورات التكوينية كلّما تطلبت ظروف العمل ذلك". تضيف مفيدة: "لم ألتحق مع أختي بمقاعد الدراسة بسبب وفاة أبينا وعدم قدرة أمّنا على تعليمنا. فهي اضطرّت إلى العمل في جمع قوارير البلاستيك من القمامة وبيعها لتأمين قوت العائلة، وكذلك تعليم أخينا الأصغر الذي لم يكمل دراسته. لكنّه على الأقلّ تعلّم القراءة والكتابة". وتستغرب مفيدة عدم قبولها في "بعض المهن التي لا تتطلب أيّ مستوى تعليمي، ولا تتطلب فكّ رموز الحروف للقراءة أو الكتابة. ورحت أشتغل في بعض الأعمال الزراعية البسيطة مثل تنظيف الأرض من الأعشاب الضارة أو جمع بعض محاصيل الخضراوات أحياناً. وفي أحيان أخرى، أجمع قوارير البلاستك من القمامة مثل ما كانت تفعل أمّي". وإذ تقول مفيدة إنّ "نساء كثيرات يعملنَ في الزراعة على الرغم من عدم قدرتهنّ على القراءة والكتابة"، تلفت إلى أنّها تعيش في "مدينة لا تتوفّر فيها أراض زراعية كبيرة للعمل. وهو ما يدفعني إلى العمل أحياناً في بعض المهن الأخرى البسيطة من قبيبل جمع البلاستيك". وتبلغ نسبة الأمية في تونس 17.7 في المائة، أي ما يعادل مليونَي مواطن أمّي، بحسب بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية لهذا العام. وتشير الوزارة إلى أنّ تلك النسبة ما زالت تمثّل عائقاً أمام التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد، مشدّدة على أنّ الأمية لا تقلّ خطورة عن الفقر، وتبقى معضلة اجتماعية حقيقية لا بدّ من معالجتها عبر تكثيف دروس محو الأمية. وبحسب بيانات الوزارة نفسها، فقد تجاوزت نسبة الأمية في صفوف النساء 40 في المائة، وارتفعت نسب الأمية بصورة عامة في مناطق الشمال الغربي والوسط الغربي، متجاوزة 52 في المائة في بعضها، مثل محافظة القيروان. وسبق لوزارة الشؤون الاجتماعية أنّ أعادت أسباب ارتفاع نسبة الأمية إلى 19 في المائة، في عام 2019، إلى ضعف الميزانية المخصصة لتعليم الكبار، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة التسرّب المدرسي التي تراوحت ما بين 100 و120 تلميذاً سنوياً. ولفتت الوزارة إلى أنّ ارتفاع نسبة الأمية في صفوف النساء خصوصاً جعلهنّ يعملنَ في معظم المهن الشاقة. ولا يقتصر الأمر على النساء فقط، فرجال لا يتقنون القراءة ولا الكتابة واجهوا مشكلات في الحصول على عمل حتى في ورش تصليح سيارات. ويقول بشير البالغ من العمر 55 عاماً، لـ"العربي الجديد"، إنّه "منذ صغري، أشتغل في بعض الأعمال اليومية البسيطة، وأحياناً أبقى لمدّة أسابيع عدّة من دون عمل، نتيجة عدم قدرتي على القراءة والكتابة". ويبدو أنّ سوق العمل اليوم صار يتطلّب حداً أدنى من التعليم، الأمر الذي يحول دون انخراط كثيرين فيه، في حين أنّ مراكز تعليم الكبار ما زالت غير معمّمة في جهات عدّة لتكون فرصة لتعلم القليل بالنسبة إلى بعض من هم في حاجة إلى ذلك.

وكالة أخبار المرأة

"حرمني ضيق ذات اليد من الدراسة في صغري، كذلك حرمني من العمل عندما كبرت وأردت الاعتماد على نفسي والبحث عن مهنة أسترزق منها. لم يكن ترك مقاعد الدراسة أمراً بيدي، فأنا من إحدى المناطق الريفية في محافظة جندوبة (أقصى شمال غربي تونس). وقد اضطر والدي إلى الاختيار ما بين تعليمي وتعليم أخي، بسبب الفقر. وبالتأكيد، تُمنَح الفرصة في مثل تلك الجهة للذكور، ونبقى نحن الإناث في البيوت للمساعدة في الشؤون المنزلية أو القيام بالأعمال الزراعية". هكذا تختصر رقية بن عبد الله واقعها، وهو واقع يتكرّر لدى نساء تونسيات كثيرات.
تضيف المرأة التونسية البالغة من العمر 37 عاماً لـ"العربي الجديد": "لم أعمل سابقاً ولم أبحث عن أيّ فرصة عمل بعيداً عن عائلتي. لكنّني، بسبب تراجع مداخيل الزراعة بعد وفاة والدي، اضطررت إلى البحث عن عمل معينةً منزليةً أو حتى تعلّم أيّ حرفة أو مهنة في أيّ مصنع في المدينة. وكانت المشكلة أنّني كلّما طرقت باباً طُلب منّي تحديد مستوى تعليمي، فيما أنا لم أحقّق أدنى درجاته".
وتشرح رقية أنّ "ثمّة أصحاب بيوت يشترطون أن تكون المعينة قادرة على القراءة على الأقلّ. فعدم قدرتها على ذلك يعرقل قدرتها على الاهتمام بشؤون البيت بحسب بعض هؤلاء، كذلك الأمر في ما يتعلق بمساعدة الأبناء في أمر ما، بالإضافة إلى أنّه لا يمكن التعويل عليها لسداد فواتير الكهرباء والمياه على سبيل المثال، نظراً إلى عدم قدرتها على التثبّت من أيّ أوراق أو قراءتها". وتلفت رقية إلى أنّها لم تتوقع أن تكون أميتها سبباً في عدم قدرتها على تحصيل عمل بسيط، "فثمّة مهن لا تتطلب تعليما ولا أيّ مستوى دراسي، غير أنّ محاولاتي في البحث عن عمل باءت بالفشل".
الأمر نفسه تواجهه مفيدة بوغابة البالغة من العمر 34 عاماً، فهي لم تُوفَّق بعمل بسبب عدم قدرتها على القراءة والكتابة، لا سيّما أنّ الأعمال الزراعية باتت اليوم تتطلب تكويناً في كيفية جمع المحصول أو العناية بالأبقار والأغنام، ومراكز التكوين بمعظمها تتطلب حداً أدنى من الكتابة والقراءة. وتخبر مفيدة "العربي الجديد": "توجّهت إلى بعض المصانع، سواء مصانع الخياطة أو مصانع المواد الغذائية أو حتى فرز الغلال والخضراوات، لكنّ الحظ لم يسعفني في الحصول على فرصة لعدم قدرتي على قراءة عقد العمل أو إمضائه أو للمشاركة في بعض الدورات التكوينية كلّما تطلبت ظروف العمل ذلك". تضيف مفيدة: "لم ألتحق مع أختي بمقاعد الدراسة بسبب وفاة أبينا وعدم قدرة أمّنا على تعليمنا. فهي اضطرّت إلى العمل في جمع قوارير البلاستيك من القمامة وبيعها لتأمين قوت العائلة، وكذلك تعليم أخينا الأصغر الذي لم يكمل دراسته. لكنّه على الأقلّ تعلّم القراءة والكتابة".
وتستغرب مفيدة عدم قبولها في "بعض المهن التي لا تتطلب أيّ مستوى تعليمي، ولا تتطلب فكّ رموز الحروف للقراءة أو الكتابة. ورحت أشتغل في بعض الأعمال الزراعية البسيطة مثل تنظيف الأرض من الأعشاب الضارة أو جمع بعض محاصيل الخضراوات أحياناً. وفي أحيان أخرى، أجمع قوارير البلاستك من القمامة مثل ما كانت تفعل أمّي". وإذ تقول مفيدة إنّ "نساء كثيرات يعملنَ في الزراعة على الرغم من عدم قدرتهنّ على القراءة والكتابة"، تلفت إلى أنّها تعيش في "مدينة لا تتوفّر فيها أراض زراعية كبيرة للعمل. وهو ما يدفعني إلى العمل أحياناً في بعض المهن الأخرى البسيطة من قبيبل جمع البلاستيك".
وتبلغ نسبة الأمية في تونس 17.7 في المائة، أي ما يعادل مليونَي مواطن أمّي، بحسب بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية لهذا العام. وتشير الوزارة إلى أنّ تلك النسبة ما زالت تمثّل عائقاً أمام التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد، مشدّدة على أنّ الأمية لا تقلّ خطورة عن الفقر، وتبقى معضلة اجتماعية حقيقية لا بدّ من معالجتها عبر تكثيف دروس محو الأمية.
وبحسب بيانات الوزارة نفسها، فقد تجاوزت نسبة الأمية في صفوف النساء 40 في المائة، وارتفعت نسب الأمية بصورة عامة في مناطق الشمال الغربي والوسط الغربي، متجاوزة 52 في المائة في بعضها، مثل محافظة القيروان.
وسبق لوزارة الشؤون الاجتماعية أنّ أعادت أسباب ارتفاع نسبة الأمية إلى 19 في المائة، في عام 2019، إلى ضعف الميزانية المخصصة لتعليم الكبار، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة التسرّب المدرسي التي تراوحت ما بين 100 و120 تلميذاً سنوياً. ولفتت الوزارة إلى أنّ ارتفاع نسبة الأمية في صفوف النساء خصوصاً جعلهنّ يعملنَ في معظم المهن الشاقة.
ولا يقتصر الأمر على النساء فقط، فرجال لا يتقنون القراءة ولا الكتابة واجهوا مشكلات في الحصول على عمل حتى في ورش تصليح سيارات. ويقول بشير البالغ من العمر 55 عاماً، لـ"العربي الجديد"، إنّه "منذ صغري، أشتغل في بعض الأعمال اليومية البسيطة، وأحياناً أبقى لمدّة أسابيع عدّة من دون عمل، نتيجة عدم قدرتي على القراءة والكتابة".
ويبدو أنّ سوق العمل اليوم صار يتطلّب حداً أدنى من التعليم، الأمر الذي يحول دون انخراط كثيرين فيه، في حين أنّ مراكز تعليم الكبار ما زالت غير معمّمة في جهات عدّة لتكون فرصة لتعلم القليل بالنسبة إلى بعض من هم في حاجة إلى ذلك.
تعليقات