أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

الدكتور محمد فتحي الحريري - سوريا الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين ومقلديهم باحسان ، وبعد فاني أحرر أولا محل البحث ، فالمسلمون هذه الايام يجهلون كثيرا من الاحكام والمقاصد والمصطلحات الشرعية عامة ، وجهلهم باحكام الجهاد متأكد أكثر لبعدهم عنه ، فأقول وبالله التوفيق : الاستئسار لغة : طلب الأسْــر ، إذ أن الالف والسين والتاء تفيد الطلب ، والأسر معروف هو الحبس للمحارب من قبل عدوّه .والتعريف الشرعي للاستئسار : هو السعي للوقوع في أســر العدوّ اذا أحس المحارب المسلم أنه لاقِبـَـل له بمحاربة عدوّه ، ووثق أن في أسره حياته ونجاته.. والسؤال الشرعي هو :هل يجوز للمقاتل المسلم أن يستأسر إذا خاف على نفسه الموت ورأى أنه لا طاقة له بعدوه ولا قبل له بالتغلب عليه ؟ والجواب : إن الأصل الشرعي هو ، إذا لاقى المسلم عدوَّه يجب أن يصبر ويثبت؛ لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) } [سورة الأنفال]. فإن لم يتمكن من المدافعة ورأى أنه مقتول لا محالة ، فإنه يخير في هذه الحالة بين الثبات والمقاتلة حتى الموت أو الاستئسار، والاستئسار هو تسليم الجنديِّ نفسه للأسر، عندما يجد الجنديُّ نفسه مضطرًّا لذلك - والثبات خير له، لما يناله به من منازل الشهداء من ناحية، ويسلم به من تحكُّم الكفَّار عليه بالتَّعذيب والاستخدام والفتنة من ناحية أخرى، ولهذا قال الامام أحمد رحمه الله : ما يعجبني أن يستأسر. وقال : فليقاتل أحب إلي ، ومن هنا كانت القاعدة الشرعية في جهاد الدفع والطلب على حـدٍّ ســواء " عــد م الاسـتئسـار " ، وقال بعض الفقهاء هو شرط جهاد الطلب وحسب . وقد وقع الاستئسار في عهد السلف للضرورة وأجازه النبي الأعظم (صلى الله عليه وسلم) ،  فقد روى البخاريُّ عن أبي هريرة رضي الله عنه بسنده قال: «بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَشَرَةَ رَهْطٍ عينًا، وأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْـهَدَأة- مَوْضِعٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ- ذَكَرُوا لِبَنِي لـَحْيَانَ، فَنَفَرُوا لَـهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَتَيْ رَجُلٍ كُلُّهُمْ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُمْ، فَلَمَّا رَآهم عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَـجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ- مَوْضِعٍ غَلِيظٍ مُرْتَفِعٍ- وَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ، فَقَالُوا لَـهُمْ: انْزِلُوا وَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمُ الْعهْدُ وَالْـمِيثَاقُ أَلَّا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا، قَالَ عَاصِمٌ: أَمَّا أَنَا فَوَالله لَا أَنْزِلُ الْيَوْمَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ خَبِّرْ عَنَّا نَبِيَّكَ، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بِالْعَهْدِ وَالْـمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ، وَرَجُلٌ آخَرُ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَأَوْثَقُوهُمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، والله لَا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لِي فِي هَؤُلَاءِ لَأُسْوَةً- يُرِيدُ الْقَتْلَى- فَجَرُّوهُ وَعَالَـجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ- أَيْ مَارَسُوهُ وَخَادَعُوهُ لِيَتْبَعَهُمْ- فَأَبَى فَقَتَلُوهُ، وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ الدَّثِنَةِ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ» ،  فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدث، وعدمُ إنكاره يدلُّ على أَنَّ الاستئسار في هذه الحالة مرخَّصٌ فيه ( جائز ومباح ) .وقد ترجم البخاري لذلك فقال: باب "هل يستأسر الرجل؟ ومن لم يستأسر" ... ويقول الشوكاني في مصنفه الحديثي المشهور «نيل الأوطار» : وقد استدل المصنف رحمه الله تعالى بهذا الحديث على أنه يجوز لمن لم يقدر على المدافعة ولا أمكنه الهرب أن يستأسر، وهكذا ترجم البخاريُّ على هذا الحديث باب: هل يستأسر الرجل، ومن لم يستأسر؛ أي هل يسلم نفسه للأسر أم لا‏.‏ ووجه الاستدلال بذلك أنه لم ينقل أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أنكر ما وقع من الثلاثة المذكورين من الدخول تحت أسرِ الكفار ، والاستـئـســار يتأكد شــأنه كثيرا في حق من يُـقتدى به كالقادة والأئمة ويخشى أن يسـلبه الأعداء أســرارا وأمورا تؤثـر على أمن الأمــة وسلامة الدولـة والمجتمع ، وفي حق المرأة إذا خافت على نفسها من الوقوع في الفاحشة واعتداء الأعداء عليها في أسرها . وهنا لا يجوز الاستئسار أبدا وفاعله آثــم ، والله أعلم . ويستحسن هنا ملاحظة العكس فلو أنَّ المرأة خافت على نفسها الوقوع في الفاحشة بعدم الاستئسار وجب عليها أن تســتأســر صونا لشرفها ، فالأمـر يعتمد إذن كما يقال !  وللرجل او من يخاف ان يفشي ســرّا يستشهد له بقصة الملك والغلام والكاهن ، وهي مروية في الصحيح وفيها استئسار الغلام وأنه دل على الشيخ المؤمن رغم طلبه منه ألا يفعل ، وهناك من يرى أنها اي القصة لا تعتبر حجة ملزمة ولا تشريعا متبعـا ، وكما نعلم ان قصة الغلام هي قصة ماقبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم اي هي فعل قام به شخص بناء على اجتهاده (لايوجد نص شرعي قبل الاسلام يجيز بذلك )ومع ذلك نقول ان الاسلام نسخ التشريعات السابقة بتشريعات جديدة سوى مااقره الله ورسوله ومنها شعائر الحج وصوم عاشوراء و......الخ ،وناسخ فعل الغلام قول الله سبحانه : "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم " . والرؤية هنا أن الباحث يرى تحتم الاستئسار وان تركه انتحار وقتل للنفس خاصة اذا تاكد ان العدوّ سيلجأ الى عملية قتل شاملة حتما لمن لا يستأسر ، والعلماء هنا يميزون بين الرخصة والعزيمة ، فالمسلمون لما حوصروا في المدينة هل استأسروا أم استأسدوا ؟ ويرى اكثر العلماء ان اختيار الموت هنا افضل من الأسـر وهو ليس القاء بالنفس الى التهلكة ولا انتحارا كما صوّره الآخذون بالرخص :  وفي هذا المقام سُئل الشيخ محمد بن إبراهيم – مفتي السعودية الأسبق – رحمه الله من بعض المجاهدين الجزائريين إبان حرب التحرير عن مسألة قتل الاسير لنفسه، لمنع إفشاء الأسرار للأعداء فأجاب :الفرنساويون يستعملون أسلوبا يسمى بـ "الشرنجات")و هو ما يسميه العامة عندنا "السرنجات"، أي الحُقَن التي تستخدم لحقن الأدوية والعقاقير ) وهم يحقنون المجاهدين بالمخدرات إذا استولوا على واحد منهم ، ليعلمهم بالذخائر والمكامن وأسرا المجاهدين ، ومن يأسرونه قد يكون من الأكابر، فيخبرهم أن في المكان الفلاني كذا وكذا، وهذه الإبرة تسكره إسكاراً مؤقتاً، وقال : جاءنا جزائريون ينتسبون إلى الإسلام يقولون؛ هل يجوز للإنسان أن ينتحر مخافة أن يضربوه بالشرنقة ؟ ويقول؛ أموت أنا وأنا شهيد، مع أنهم يعذبونه بأنواع العذاب ؟ فقلنا لهم؛ إذا كان كما تذكرون، فيجوز، و دليلناهومن حديث الغلام والكاهن "آمنا برب الغلام"، و بعض أهل العلم يستشهد بقصة السفينة التي عادة ما يستشهد بها بعض أهل العلم؛ ويشير رحمه الله إلى مسألة احتراق السفينة في البحر، هل لركابها أن يلقوا بأنفسهم في الماء اختياراً للغرق على الحريق أم لا ؟  جاء في المدونة للإمام مالك: قلت؛ - والقائل هو سحنون يسأل شيخه ابن القاسم، تلميذ الإمام مالك – أرأيت السفينة إذا أحرقها العدو وفيها أهل الإسلام، أكان مالك يكره لهم أن يطرحوا بأنفسهم؟ وهل يراهم قد أعانوا على أنفسهم؟ قال؛ بلغني أن مالكاً سُئل عنه، فقال؛ لا أرى به بأساً، إنما يفرون من الموت إلى الموت، قال ابن وهب؛ قال ربيعة؛ أيما رجل يفر من النار إلى أمر يعرف أن فيه قتله فلا ينبغي له، إذا كان يفر من موت إلى موت أيسر منه فقد جاء ما لا يحل له، وإن كان إنما تحامل في ذلك رجاء النجاة. . . فكل متحامل لأمر يرجو فيه النجاة فيه فلا جناح عليه، وإن عطب فيه، قال؛ وبلغني عن ربيعة أنه قال؛ وإن صبر فهو أكرم إن شاء الله .  وجاء في "قوانين الأحكام الشرعية" : (وقد اختلف في المركب يُلقى عليه النار، هل يلقي الرجل نفسه ليغرق أم لا؟ وأما إن قوتل فلا يُغَرق نفسه، بل يقف للقتال حتى يموت) .وجاء في "الشرح الكبير" للدردير: وجاز انتقال من سبب موت لآخر، كحرقهم سفينة، إن استمر فيها هلك وإن طرح نفسه في البحر هلك، ووجب الانتقال إن رجا به حياة ، أو طولها، ولو حصل له معها ما هو أشد من الموت، لأن حفظ النفس واجب ما أمكن .وعلق الدسوقي على ما سبق قائلا : فرض المسألة؛ استواء الأمرين؛ أي يعلم أنه إن مكث - أي في السفينة المحترقة – مات حالاً، وإن رمى نفسه في البحر مات حالاً، وأما إن علم أنه إن نزل في البحر مكث حياً، ولو درجة، أو ظن ذلك، أو شك فيه، وإن مكث – أي في السفينة المحترقة – مات حالاً، وجب عليه النزول في البحر. وقال ابن قدامة في "المغني" : وإذا ألقى الكفار ناراً في سفينة فيها مسلمون، فاشتعلت فيها، فما غلب على ظنهم السلامة فيه ، بقاؤهم في مركبهم أو إلقاء أنفسهم في الماء، فالأولى لهم فعله ، وإن استوى عندهم الأمران، فقال أحمد؛ كيف شاء صنع ، وقال الأوزاعي : هما موتتان فاختر ايسرهما، وقال أبو الخطاب فيه رواية أخرى؛ أنهم يلزمهم المقام لأنهم إذا رموا أنفسهم في الماء كان موتهم بفعلهم وإن أقاموا فموتهم بفعل غيرهم ، وأ ذكر هنا بما حكاه ابن كثير رحمه الله عن المجاهدين الستمئة الذين أغرقوا سفينتهم بأيديهم وغرقوا جميعاً حتى لا يقعوا في الاسر ولا يظفر الأعداء بعدتهم . وهكذا نرى تغليب مفسدة إفشاء أسرار المجاهدين على مفسدة قتل النفس. وهو من فقه الرجل المقاصدي.  ويتساءل الشيخ حسن ايوب في كتابـه ( الفدائية في الإسلام": (هل يقتل المسلم نفسه ليغيظ عدوه؟ وأجاب رحمه الله أنَّ الأصل في قتل النفس أنه حرام، ومن الكبائر وهذا القتل يعتبر تعدياً لحدود الله ، وظلماً للنفس التي حرم الله قتلها إلا لأسباب شرعها الله، ويعتبر فاعله ساخطاً على قضاء الله وقدره وغير راض بحكم الله فيه ، لذلك اسرع فتخلص من ألمه بقتل نفسيه، وهذا النوع هو المسمى بـ "الانتحار" في عصرنا هذا، وحرمته لا شك فيها، ولكن هناك حالات يقع فيها المقاتل أو الفدائي تحت أيدي عدوه فيقوم بتعذيبه أشد أنواع التعذيب، سواء بالإحراق بالنار أو بتقطيع أجزاء من جسمه أو بنفخه أو بتعليقه من خطاطيف مدلاة من السقف من رجليه بحيث يكون رأسه إلى أسفل، أو بتسليط الكهرباء عليه من وقت لآخر. . . إلى آخر هذه الأنواع التي صارت سمة كلاب العصر الحديث، والتي اخترعها النازيون والبعثيون والشيوعيون ، ونفذه همج ورعاع البشر الذين لا إنسانية عندهم ولا رحمة في قلوبهم.  فما الحكم لو وقع إنسان تحت طائلة هذا العذاب، هل يحق له أن ينتحر ؟؟؟ قلت هنا : وهاهو قد استأسر ووقع بأيدي الظالمين آخذا بالرخصة ، أو أنه ألقي عليه القبض بأمر جلاوزة الحكام الحزبيين الظالمين ، فصار أسيرا بيدهم ؟ واجاب حسن ايوب : أن الانتحار إن كان له مبرر أصيل قوي،ويتصل بأمر يخص المسلمين وينفعهم، وبدونه يحصل الضرر للمسلمين، فإنه حينئذ يكون جائزاً، وذلك كأن يعذب إنسان من أجل الإفضاء بأسرار تتعلق بمواقع الفدائيين أو بأسمائهم أو بكشف خطط الجيش الإسلامي أو بمواقع الذخيرة أو السلاح، إلى آخر ما يعتبر علم العدو به خطراً على الجيش الإسلامي أو على أفراد المسلمين أو على حريمهم أو ذراريهم، ويرى أنه لا صبر له على التعذيب، وإنه مضطر أنه يفضي بهذه الأسرار، أو يعلم أن الأعداء يحقنونه بمادة مؤثرة على الأعصاب بحيث يبوح بما عنده من أسرار تلقائياً بدون تفكير أو شعور بخطورة ما يقول .ويشهد لذلك اقوال العلماء فيمن القى بنفسه على الأعداء وهو يعلم أنه مقتول لا محالة، ولكنه يرى أن في ذلك خيراً للإسلام أو للمسلمين، وحالتنا هذه أهم وأخطر. ويضيف الشيخ :  أما إذا كان الانتحار بسبب أنه تأكد من أنهم يقتلونه، ولكنهم يعذبونه قبل ذلك تنكيلاً به وإغاظة للمسلمين، فإنه إن انتحر في هذه الحالة، فإن انتحاره يكون حراماً، ولكنه لا يكون كبيرة من الكبائر، ولا يبعد جوازه، واستدل الشيخ بما جاء في المغني لابن قدامة في قصة السفينة التي أشرنا اليها قبل قليل . هذا والله أعلم وبه الاستعانة وصلى الله على سيدنا محمد واله وصحبه وسلم وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين ...

الدكتور محمد فتحي الحريري - سوريا

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين ومقلديهم باحسان ، وبعد فاني أحرر أولا محل البحث ، فالمسلمون هذه الايام يجهلون كثيرا من الاحكام والمقاصد والمصطلحات الشرعية عامة ، وجهلهم باحكام الجهاد متأكد أكثر لبعدهم عنه ، فأقول وبالله التوفيق :
الاستئسار لغة : طلب الأسْــر ، إذ أن الالف والسين والتاء تفيد الطلب ، والأسر معروف هو الحبس للمحارب من قبل عدوّه .والتعريف الشرعي للاستئسار : هو السعي للوقوع في أســر العدوّ اذا أحس المحارب المسلم أنه لاقِبـَـل له بمحاربة عدوّه ، ووثق أن في أسره حياته ونجاته..
والسؤال الشرعي هو :هل يجوز للمقاتل المسلم أن يستأسر إذا خاف على نفسه الموت ورأى أنه لا طاقة له بعدوه ولا قبل له بالتغلب عليه ؟ والجواب :

إن الأصل الشرعي هو ، إذا لاقى المسلم عدوَّه يجب أن يصبر ويثبت؛ لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) } [سورة الأنفال]. فإن لم يتمكن من المدافعة ورأى أنه مقتول لا محالة ، فإنه يخير في هذه الحالة بين الثبات والمقاتلة حتى الموت أو الاستئسار، والاستئسار هو تسليم الجنديِّ نفسه للأسر، عندما يجد الجنديُّ نفسه مضطرًّا لذلك - والثبات خير له، لما يناله به من منازل الشهداء من ناحية، ويسلم به من تحكُّم الكفَّار عليه بالتَّعذيب والاستخدام والفتنة من ناحية أخرى، ولهذا قال الامام أحمد رحمه الله : ما يعجبني أن يستأسر. وقال : فليقاتل أحب إلي ، ومن هنا كانت القاعدة الشرعية في جهاد الدفع والطلب على حـدٍّ ســواء " عــد م الاسـتئسـار " ، وقال بعض الفقهاء هو شرط جهاد الطلب وحسب . وقد وقع الاستئسار في عهد السلف للضرورة وأجازه النبي الأعظم (صلى الله عليه وسلم) ،

فقد روى البخاريُّ عن أبي هريرة رضي الله عنه بسنده قال: «بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَشَرَةَ رَهْطٍ عينًا، وأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْـهَدَأة- مَوْضِعٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ- ذَكَرُوا لِبَنِي لـَحْيَانَ، فَنَفَرُوا لَـهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَتَيْ رَجُلٍ كُلُّهُمْ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُمْ، فَلَمَّا رَآهم عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَـجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ- مَوْضِعٍ غَلِيظٍ مُرْتَفِعٍ- وَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ، فَقَالُوا لَـهُمْ: انْزِلُوا وَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمُ الْعهْدُ وَالْـمِيثَاقُ أَلَّا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا، قَالَ عَاصِمٌ: أَمَّا أَنَا فَوَالله لَا أَنْزِلُ الْيَوْمَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ خَبِّرْ عَنَّا نَبِيَّكَ، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بِالْعَهْدِ وَالْـمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ، وَرَجُلٌ آخَرُ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَأَوْثَقُوهُمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، والله لَا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لِي فِي هَؤُلَاءِ لَأُسْوَةً- يُرِيدُ الْقَتْلَى- فَجَرُّوهُ وَعَالَـجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ- أَيْ مَارَسُوهُ وَخَادَعُوهُ لِيَتْبَعَهُمْ- فَأَبَى فَقَتَلُوهُ، وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ الدَّثِنَةِ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ» ،

فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدث، وعدمُ إنكاره يدلُّ على أَنَّ الاستئسار في هذه الحالة مرخَّصٌ فيه ( جائز ومباح ) .وقد ترجم البخاري لذلك فقال: باب "هل يستأسر الرجل؟ ومن لم يستأسر" ...
ويقول الشوكاني في مصنفه الحديثي المشهور «نيل الأوطار» : وقد استدل المصنف رحمه الله تعالى بهذا الحديث على أنه يجوز لمن لم يقدر على المدافعة ولا أمكنه الهرب أن يستأسر، وهكذا ترجم البخاريُّ على هذا الحديث باب: هل يستأسر الرجل، ومن لم يستأسر؛ أي هل يسلم نفسه للأسر أم لا‏.‏

ووجه الاستدلال بذلك أنه لم ينقل أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أنكر ما وقع من الثلاثة المذكورين من الدخول تحت أسرِ الكفار ، والاستـئـســار يتأكد شــأنه كثيرا في حق من يُـقتدى به كالقادة والأئمة ويخشى أن يسـلبه الأعداء أســرارا وأمورا تؤثـر على أمن الأمــة وسلامة الدولـة والمجتمع ، وفي حق المرأة إذا خافت على نفسها من الوقوع في الفاحشة واعتداء الأعداء عليها في أسرها . وهنا لا يجوز الاستئسار أبدا وفاعله آثــم ، والله أعلم . ويستحسن هنا ملاحظة العكس فلو أنَّ المرأة خافت على نفسها الوقوع في الفاحشة بعدم الاستئسار وجب عليها أن تســتأســر صونا لشرفها ، فالأمـر يعتمد إذن كما يقال !

وللرجل او من يخاف ان يفشي ســرّا يستشهد له بقصة الملك والغلام والكاهن ، وهي مروية في الصحيح وفيها استئسار الغلام وأنه دل على الشيخ المؤمن رغم طلبه منه ألا يفعل ، وهناك من يرى أنها اي القصة لا تعتبر حجة ملزمة ولا تشريعا متبعـا ،

وكما نعلم ان قصة الغلام هي قصة ماقبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم اي هي فعل قام به شخص بناء على اجتهاده (لايوجد نص شرعي قبل الاسلام يجيز بذلك )ومع ذلك نقول ان الاسلام نسخ التشريعات السابقة بتشريعات جديدة سوى مااقره الله ورسوله ومنها شعائر الحج وصوم عاشوراء و......الخ ،وناسخ فعل الغلام قول الله سبحانه : "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم " . والرؤية هنا أن الباحث يرى تحتم الاستئسار وان تركه انتحار وقتل للنفس خاصة اذا تاكد ان العدوّ سيلجأ الى عملية قتل شاملة حتما لمن لا يستأسر ، والعلماء هنا يميزون بين الرخصة والعزيمة ، فالمسلمون لما حوصروا في المدينة هل استأسروا أم استأسدوا ؟ ويرى اكثر العلماء ان اختيار الموت هنا افضل من الأسـر وهو ليس القاء بالنفس الى التهلكة ولا انتحارا كما صوّره الآخذون بالرخص :

وفي هذا المقام سُئل الشيخ محمد بن إبراهيم – مفتي السعودية الأسبق – رحمه الله من بعض المجاهدين الجزائريين إبان حرب التحرير عن مسألة قتل الاسير لنفسه، لمنع إفشاء الأسرار للأعداء فأجاب :الفرنساويون يستعملون أسلوبا يسمى بـ "الشرنجات")و هو ما يسميه العامة عندنا "السرنجات"، أي الحُقَن التي تستخدم لحقن الأدوية والعقاقير ) وهم يحقنون المجاهدين بالمخدرات إذا استولوا على واحد منهم ، ليعلمهم بالذخائر والمكامن وأسرا المجاهدين ، ومن يأسرونه قد يكون من الأكابر، فيخبرهم أن في المكان الفلاني كذا وكذا، وهذه الإبرة تسكره إسكاراً مؤقتاً، وقال : جاءنا جزائريون ينتسبون إلى الإسلام يقولون؛ هل يجوز للإنسان أن ينتحر مخافة أن يضربوه بالشرنقة ؟ ويقول؛ أموت أنا وأنا شهيد، مع أنهم يعذبونه بأنواع العذاب ؟ فقلنا لهم؛ إذا كان كما تذكرون، فيجوز، و دليلناهومن حديث الغلام والكاهن "آمنا برب الغلام"، و بعض أهل العلم يستشهد بقصة السفينة التي عادة ما يستشهد بها بعض أهل العلم؛ ويشير رحمه الله إلى مسألة احتراق السفينة في البحر، هل لركابها أن يلقوا بأنفسهم في الماء اختياراً للغرق على الحريق أم لا ؟

جاء في المدونة للإمام مالك: قلت؛ - والقائل هو سحنون يسأل شيخه ابن القاسم، تلميذ الإمام مالك – أرأيت السفينة إذا أحرقها العدو وفيها أهل الإسلام، أكان مالك يكره لهم أن يطرحوا بأنفسهم؟ وهل يراهم قد أعانوا على أنفسهم؟ قال؛ بلغني أن مالكاً سُئل عنه، فقال؛ لا أرى به بأساً، إنما يفرون من الموت إلى الموت، قال ابن وهب؛ قال ربيعة؛ أيما رجل يفر من النار إلى أمر يعرف أن فيه قتله فلا ينبغي له، إذا كان يفر من موت إلى موت أيسر منه فقد جاء ما لا يحل له، وإن كان إنما تحامل في ذلك رجاء النجاة. . . فكل متحامل لأمر يرجو فيه النجاة فيه فلا جناح عليه، وإن عطب فيه، قال؛ وبلغني عن ربيعة أنه قال؛ وإن صبر فهو أكرم إن شاء الله .

وجاء في "قوانين الأحكام الشرعية" : (وقد اختلف في المركب يُلقى عليه النار، هل يلقي الرجل نفسه ليغرق أم لا؟ وأما إن قوتل فلا يُغَرق نفسه، بل يقف للقتال حتى يموت) .وجاء في "الشرح الكبير" للدردير: وجاز انتقال من سبب موت لآخر، كحرقهم سفينة، إن استمر فيها هلك وإن طرح نفسه في البحر هلك، ووجب الانتقال إن رجا به حياة ، أو طولها، ولو حصل له معها ما هو أشد من الموت، لأن حفظ النفس واجب ما أمكن .وعلق الدسوقي على ما سبق قائلا : فرض المسألة؛ استواء الأمرين؛ أي يعلم أنه إن مكث - أي في السفينة المحترقة – مات حالاً، وإن رمى نفسه في البحر مات حالاً، وأما إن علم أنه إن نزل في البحر مكث حياً، ولو درجة، أو ظن ذلك، أو شك فيه، وإن مكث – أي في السفينة المحترقة – مات حالاً، وجب عليه النزول في البحر. وقال ابن قدامة في "المغني" : وإذا ألقى الكفار ناراً في سفينة فيها مسلمون، فاشتعلت فيها، فما غلب على ظنهم السلامة فيه ، بقاؤهم في مركبهم أو إلقاء أنفسهم في الماء، فالأولى لهم فعله ، وإن استوى عندهم الأمران، فقال أحمد؛ كيف شاء صنع ، وقال الأوزاعي : هما موتتان فاختر ايسرهما، وقال أبو الخطاب فيه رواية أخرى؛ أنهم يلزمهم المقام لأنهم إذا رموا أنفسهم في الماء كان موتهم بفعلهم وإن أقاموا فموتهم بفعل غيرهم ، وأ ذكر هنا بما حكاه ابن كثير رحمه الله عن المجاهدين الستمئة الذين أغرقوا سفينتهم بأيديهم وغرقوا جميعاً حتى لا يقعوا في الاسر ولا يظفر الأعداء بعدتهم . وهكذا نرى تغليب مفسدة إفشاء أسرار المجاهدين على مفسدة قتل النفس. وهو من فقه الرجل المقاصدي.

ويتساءل الشيخ حسن ايوب في كتابـه ( الفدائية في الإسلام": (هل يقتل المسلم نفسه ليغيظ عدوه؟ وأجاب رحمه الله أنَّ الأصل في قتل النفس أنه حرام، ومن الكبائر وهذا القتل يعتبر تعدياً لحدود الله ، وظلماً للنفس التي حرم الله قتلها إلا لأسباب شرعها الله، ويعتبر فاعله ساخطاً على قضاء الله وقدره وغير راض بحكم الله فيه ، لذلك اسرع فتخلص من ألمه بقتل نفسيه، وهذا النوع هو المسمى بـ "الانتحار" في عصرنا هذا، وحرمته لا شك فيها، ولكن هناك حالات يقع فيها المقاتل أو الفدائي تحت أيدي عدوه فيقوم بتعذيبه أشد أنواع التعذيب، سواء بالإحراق بالنار أو بتقطيع أجزاء من جسمه أو بنفخه أو بتعليقه من خطاطيف مدلاة من السقف من رجليه بحيث يكون رأسه إلى أسفل، أو بتسليط الكهرباء عليه من وقت لآخر. . . إلى آخر هذه الأنواع التي صارت سمة كلاب العصر الحديث، والتي اخترعها النازيون والبعثيون والشيوعيون ، ونفذه همج ورعاع البشر الذين لا إنسانية عندهم ولا رحمة في قلوبهم.

فما الحكم لو وقع إنسان تحت طائلة هذا العذاب، هل يحق له أن ينتحر ؟؟؟ قلت هنا : وهاهو قد استأسر ووقع بأيدي الظالمين آخذا بالرخصة ، أو أنه ألقي عليه القبض بأمر جلاوزة الحكام الحزبيين الظالمين ، فصار أسيرا بيدهم ؟ واجاب حسن ايوب : أن الانتحار إن كان له مبرر أصيل قوي،ويتصل بأمر يخص المسلمين وينفعهم، وبدونه يحصل الضرر للمسلمين، فإنه حينئذ يكون جائزاً، وذلك كأن يعذب إنسان من أجل الإفضاء بأسرار تتعلق بمواقع الفدائيين أو بأسمائهم أو بكشف خطط الجيش الإسلامي أو بمواقع الذخيرة أو السلاح، إلى آخر ما يعتبر علم العدو به خطراً على الجيش الإسلامي أو على أفراد المسلمين أو على حريمهم أو ذراريهم، ويرى أنه لا صبر له على التعذيب، وإنه مضطر أنه يفضي بهذه الأسرار، أو يعلم أن الأعداء يحقنونه بمادة مؤثرة على الأعصاب بحيث يبوح بما عنده من أسرار تلقائياً بدون تفكير أو شعور بخطورة ما يقول .ويشهد لذلك اقوال العلماء فيمن القى بنفسه على الأعداء وهو يعلم أنه مقتول لا محالة، ولكنه يرى أن في ذلك خيراً للإسلام أو للمسلمين، وحالتنا هذه أهم وأخطر. ويضيف الشيخ :

أما إذا كان الانتحار بسبب أنه تأكد من أنهم يقتلونه، ولكنهم يعذبونه قبل ذلك تنكيلاً به وإغاظة للمسلمين، فإنه إن انتحر في هذه الحالة، فإن انتحاره يكون حراماً، ولكنه لا يكون كبيرة من الكبائر، ولا يبعد جوازه، واستدل الشيخ بما جاء في المغني لابن قدامة في قصة السفينة التي أشرنا اليها قبل قليل .
هذا والله أعلم وبه الاستعانة وصلى الله على سيدنا محمد واله وصحبه وسلم وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين ...
تعليقات