أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

أفادت العديد من الدراسات التربوية الحديثة، أنّ للدراما أكبر الأثر في العمليتين التربوية والتعليمية؛ فالتعليم عن طريق الدراما ـ بأشكالها كافة ـ أصبح وسيلة لعقد صُلح بين الكتاب والطفل، لأن الكتاب في معظم المجتمعات يمثل العبء الدراسي والمدرسة والمذاكرة، ولذلك فتحويل النص المكتوب إلى أي شكل من الأشكال الدرامية؛سواء عبر الإذاعة أو التلفزيون أو المسرح أو السينما،له أهمية قصوى في إيجاد علاقة ودية بين الطفل والكلمة، لا سيما بعد ظهور علم العلاج بالقصة (البيبليو ترابيا)، والتعليم بالقصة.

إننا نعيش الآن عصر التأثير الدرامي؛ بدءًا من إعلانات المنتجات، مروراً بالأعمال الكارتونية والمسلسلات والأفلام، وصولاً إلى الأخبار التي باتت تصدر لنا بشكل درامي مؤثر، لإرسال رسائل ممنهجة، تحقق أهدافاً معينة، لأن المشهد الدرامي ـ بما فيه من عناصر الأداء والموسيقى والديكور ولغة الجسد وتجسيد المشاعر والحبكة الدرامية والطرح والمعالجة وتنوع الاستمالات ـ يجعل المتلقي يتوحّد مع الأحداث والشخصيات، ويتبنّى القيم المطروحة في العمل بلا وعي، وهذا يكون أكثر تأثيراً في الأطفال واليافعين، خاصة في ظل وجود التكرار والاستمرارية من خلال شاشات الهواتف المحمولة والحواسيب، وغيرهامن الوسائل التكنولوجية التي تعدّت شاشة التلفزيون، وأصبح الطفل من خلالها المتحكم في تكرار مشاهدة ما يجذبه ويثير إعجابه.

ومن أهم تأثيرات الدراما الموجهة للأطفال، ترسيخ القيم الاجتماعية والإنسانية، خاصة إذا تم اختيار هذه القيم وعرضها بأسلوب يناسب لغة الأطفال ومراحل نموهم، بل وثقافاتهم، لا سيما أن الأطفال في مرحلة مبكّرة من أعمارهم لا يدركون القيم المطلقة؛ كالسلام، واليأس، والأمل، والإرادة.ولأن النص المسرحي هو أحد أشكال الدراما المحببة للأطفال، حيث إن المسرح يوجد علاقة مباشرة مفعمة بالحياة بينه وبين الطفل، أجدني متحيزة للنصوص المسرحية التي تكتب خصيصاً للأطفال،ويلعب فيها الأطفال أدوار البطولة مع الكبار، وتقومبدور المعلّم، وتبتعد عن الإرشاد والنصح المباشر، لذلك سعدت كثيراً بنص "الأحلام المسروقة" المسرحي، الذي أصدرته دائرة الثقافة بالشارقة، ووصلتني إحدى نسخه من الأخ العزيز كاتب الأطفال المبدع أيمن فرماوي، الحاصل على جائزة الشارقة للإبداع العربي في مجال قصة الطفل، الذي قام بتوقيعه في معرض الشارقة الدولي للكتابفي دورته الأربعين.

منذ الوهلة الأولى يشعر القارئ بأنه أمام نص مسرحي مختلف؛ فالأطفال يقومون، بناء على طلب المعلّمة، برسم أحلامهم وأمنياتهم التي يتمنون تحقيقها، وتبدأ المعلّمة ـ التي أتمنى أن نراها في مدارس أطفالنا ـ مناقشة أحلام الأطفال، الذين يعترفون بعفوية أنهم ليسوا جميعاً محبين للرسم، من دون تنمّر أصحابهم، أو اعتراض معلمتهم، التي ترسّخ لدى الأطفال بأسلوب شيّق سلس، أننا مختلفون في المواهب، وأن هذا الشيء طبيعي، وكلّما ذكر طفل موهبته، تناقشه في كيفية تنميتها، والأماكن التي يمكنه أن يذهب إليها من أجل ذلك في إمارة الشارقة (المكان الذي تدور فيه الأحداث)، والأهم أنها تقرّ مبدأ جوهرياً؛ هو أن المسابقات تحتمل الفوز والخسارة، وهذا علاج نفسي مهم جداً، ليس للأطفال فقط، بل لأولياء أمورهم أيضاً.

الفكرة الرئيسة في النص، الذي تميّز بمفردات فيها تناغم وبساطة، وسهلة الحفظ، هي هذا اللص الذي يتسلل إلى المدرسة، في اليوم الذي يسبق المعرض مباشرة، وحينما لا يجد شيئاً يسرقه، يمزّق لوحات الأطفال التي رسموا عليها أحلامهم، فيصابوا بالإحباط، لأنهم لن يشاركوا في المسابقة، فتحتوي المعلّمة غضبهم بذكاء، وتناقشهم في قيمة مهمة بحياة كل إنسان؛ هي الإرادة وعدم الاستسلام، ليتعلّم الأطفال أنه لابد من تحويل أحلامهم إلى واقع، حتى لا يسلبها أحد منهم، وأن الحياة فيها الفوز والخسارة، والخير والشر، لكن المهم عدم الاستسلام.

تتضمن مسرحية "الأحلام المسروقة" الكثير من المعاني التي تسمو بنفوس الأطفال، والأهم أنها نص مسرحي يعلّم الأطفال مهارات الحياة: الإرادة والصمود وصدق العزيمة والنوايا.

استمتعت بالنص الذي تميّز برشاقة المفردات وتناغم موسيقاها، وأرى أنه يمكن ترجمته إلى لغات أجنبية؛ فهو يصلح لأي مجتمع، لأنه يتحدث عن قيم تشترك فيها الإنسانية كلها، ومهارات حياتية يحتاجها الطفل رويداً رويداً في حياته، ولابد أن يتعلّمها خطوة خطوة، بشكل تدريجي وتراكمي، بدلاً من الانتظار حتى يتخرج في الجامعة، ليلهث وراء دورات تنمية ذاتية ومدربي مهارات الحياة، فيهدرهو وأسرته والدولة وقتاً ومالاً وجهداً.

أتمنى أن نرى "الأحلام المسروقة" على خشبة المسرح قريباً بإذن الله هو والنص المسرحي البديع "سر الأصوات الغامضة" الذي صدر منذ ثلاث سنوات، وغيرهما من الأعمال الإبداعية لهذا الكاتب الذي اعتاد أن يكتب بوجدانه وقلبه قبل قلمه وعقله، فوصلت نصوصه إلى قلوب قرائه.

هناك مثل إفريقي يقول: "إذا أردت أن تربّي طفلاً، فعلى القرية كلها أن تشارك في تربيته"، وهذا يعني أن جميع المؤسسات مسؤولة عن تنشئة الطفل، وبدلاً من البكاء على أجيال أفسدتها أعمال درامية رسّخت قيماً سلبية معينة، على المعنيين بأمر الطفل إدراك أهمية قانون (التحلية والتخلية)؛ فكي يتخلى الطفل عن كل المواد المقدمة له بكل قيمها الغريبة عن ثقافتنا، وبكل الجاذبية والإبهار الموجودين بها، يجب أن تحلّ محلها مواد ترسّخ هويتنا وقيمنا، وفي الوقت نفسه أكثر إبهاراً وجاذبية، ومتوافقة مع متغيرات العصر.

فمتى تُستثمر رؤوس الأموال العربية لإنتاج مثل هذه النصوص الأدبية المتميزة، التي ترسّخ هوية الطفل العربي؟، علّها تنقذ أطفالنا من براثن الأعمال الأجنبية المبهرة، التي ترسل ما تشاء من رسائل، قد يتضمّن بعضها ما يمسّ قيم أطفالنا، الذين يمثلون الاستثمار الأغلى، ووقود الأمة، وطاقة المستقبل.

تعليقات