أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

عزيزي القارئ، هل هناك علاج بالقراءة؟.. هل يمكن أن نتداوى برواية، أو أن تتعدّل حالتنا النفسية عند قراءة قصيدة شعر، أو يُخرجنا عملٌ أدبيٌ من حالة كسل أو خمول؟.. هل هناك روايات محفزة وأخرى مثبطة للهمة؟.. تساؤلات كثيرة مطروحة منذ أن أثبتت الدراسات الحديثة أن هناك علاجاً بالقراءة، فالعلاج بالقراءة قديم قِدَم اختراع الكتابة، التي تُعدّ أعظم اختراع بشري في العصور القديمة، والتي وصفها المصريون القدماء ـ على سبيل المثال ـ على المعابد بأنها علاج النفس وعلاج الروح.ومن منطلق التداوي بالقراءة، ولأنني أعاني من أشواق بلا حدود إلى ابنتي التي هي (هناك في نيويورك)، لفت نظري إصدار بعنوان (هناك في شيكاغو)، وهو باكورة إنتاج الكاتبة الفلسطينية المهاجرة المقيمة في شيكاغو هناء عبيد.
مع فنجان قهوتي، بدأت رحلتي مع نسرين بطلة روايتها وزهرتها كما أشارت في إهدائها، ولكن لم تبدأ نسرين الرحلة هناك في شيكاغو، بل هنا في أحد بلدان الوطن العربي (الأردن؛ حيث تقيم مع أسرتها فلسطينية الأصل من مدينة القدس الحبيبة).
سيدرك القارئ من الصفحات الأولى للرواية أنه أمام شابة لها وجهات نظر في الطبقات الاجتماعية، ومعنى التحضر، تبعد كثيراً عن نماذج الشباب الذي انبهر بالمظاهر والغرب، حتى عبّرت (إنهم يطلقون عليّ لقب رجعية، أؤمن أن جبالاً من الماس لا ترقى إلى نشر فكرة تنشر عدلاً وسلاماً وأمناً)).
احتلت نسرين بسردها للأحداث وحواراتها الداخلية وتحليلاتها النفسية للشخوص الذين ورد ذكرهم في الرواية الجانب الأعظم من صفحات الرواية، ولم تنسحب أو تتوارى إلى الخلف لتتيح لأحدٍ آخر من شخصيات الرواية أن يسرد الأحداث أو يعلق عليها أو يعبر عن نفسه إلا في صفحات قليلة جدا. ولن يخفى على القارئ منذ الصفحات الأولى أن نسرين منحازة إلى الحُب في كل حياتها؛ ليس الحب الشائع في معظم الروايات بين الرجل والمرأة، بل اتسعت دوائر الحب لديها لتحوي أشكالاً ودرجات من الحب الذي سيظل صاحب التأثير الأكبر فينا منذ بدء الخليقة وحتى نلقى الله.
تحب نسرين القراءة، ومع كل عام تنتظر معرض الكتاب لتلتقي محمود درويش وغسان كنفاني ونجيب محفوظ، فهي عاشقة للغة العربية كما عبّرت (أعشق جذوري ولغتي العربية، لهذا لم أنتقِ يوماً سوى الأعمال العربية التي تأسرني..). ومع أشعار محمود درويش، جمعها القدر بـ(ثائر)؛ الثائر الفلسطيني على احتلال وطنه، والطالب الجامعي المكافح، حيث نشأت بينهما قصة حب، عبّرت عنها الكاتبة بنعومة ورقة، حتى كدت أرى حُمرة وجه نسرين وخجل ثائر، وكأنني أشاهد أحد أفلام الأبيض والأسود، حيث زمن الحب والفن الجميل، وقد أفسحت الكاتبة المجال لثائر ليعبّر عن مشاعره تجاه نسرين، التي وصفها بـ (أصبحت حلمي الذي يزورني ليلاً، وظلّي الذي لا يفارقني نهاراً). جمعهما حب الوطن، وذكريات الطفولة في القدس، الحب الممزوج بالألم لفراق الوطن المحتل، وقد عبّرت نسرين عن هذا النوع من الحب قائلة: (كان عشقاً من نوع آخر، أظننا التقينا على نحيب أم ثكلى، أو أم تنتظر عتق أصفاد ابنها الأسير .. )، وفي تعبير آخر ينمّ عن مدى اختلاف حالة الحب بين شاب وشابة شبّا في ظل الاحتلال (لقد اخترقت قطرات المطر سقف الخيمة التي تأووينا).
لا أزال أسبح مع نسرين في نهر الحب لأصل إلى شاطئ الحب الأسري، ومشاعر الأبوة والأمومة والبنوة المتبادلة بين أفراد أسرة فلسطينية مقيمة في الأردن، ولكن فلسطين تحيى في أعماق نفوسهم، فتنعكس على كل شيء؛ فغرفة المعيشة كما عبّرت عنها (زاد من عشقي لهذه الغرفة صور قبة الصخرة والمسجد الأقصى والقدس التي كانت تتربع جدرانها)، بل وصفت الأب بأنه (القدس بنورها وشعاعها، وهو الذاكرة التي لا تخبو بين طيات الأزمنة المتقلّبة).
أما الحوارات المفعمة بالذكريات التي كانت تجمعهم في أمسيات دافئة، فقد كان الوطن هو الحاضر حتى لو غابوا عنه، فالشخوص والأحداث والقصص، وحتى المأكولات، وحكايات الأم المتكررة عن (أبو يوسف) الذي كان يلتف أطفال القدس حول ألعابه السحرية، والذي رمز لعشق الأرض، كان التكرار هو السمة لهذه الأمسيات؛ وحتى فيلم فاتن حمامة الذي علّقت نسرين (إنهم يشاهدونه للمرة المائة). وعلى الرغم من تكرار واجترار مشاعر ألم فراق الوطن واحتلاله، إلا أن نسرين عبرت عن أملها ويقينها بالعودة إلى الوطن قائلة: "إننا نؤمن أنا وأختي بعبارة والدي ووالدتي "قد يطول الزمن، لكننا عائدون".
ولأن دوام الحال من المحال، ففي خضم سيمفونية الحب التي تعزفها الروائية بلغة رقيقة وتعبيرات مفعمة بالمشاعر، يفاجئها القدر بأحداث متتالية، تغيّر مجرى حياتها، وقد عبّرت عن هذا في أول سطور روايتها عندما قالت: (لا يسير أي أمر في حياتي كما أريد، دوماً العوائق تفاجئني، تصادقني دون دعوة)، حيث يرفض الأب ثائر دون إبداء أسباب، بل وينقلها إلى جامعة أخرى حتى لا تقابله. وربما سيظل القارئ يتساءل: كيف لم تصرّ على معرفة أسباب الرفض التي لم تبح بها لها حتى أمها؟.
ومنذ لحظة فراق ثائر، تعيش نسرين مشاعر فقدان الحبيب الذي لقبته بـ(توأم الروح)، ثم فقدان الأمان بوفاة الأب والأم، ثم مشاعر الوحدة والغربة وزواج أختها؛ فقد غاب الأحباب، ولم تغب الذكريات، فماذا تفعل؟.. فلتبحث عن حلم يمنحها أملاً، بعد أن باتت الأيام تمرّ في ملل وألم.
وجدت نسرين الأمل في ذلك الحلم القديم؛ حلم الهجرة إلى أرض الأحلام (أمريكا)، أو كما فكّرت (الهروب من هنا إلى هناك)، وهناك في شيكاغو،ستحلق بنا نسرين في أجواء المهجر، وتصف مشاعر الغربة، والحنين، والحب لثائر، الذي ظلت خطاباتها التي تسطرها له حبيسة الأدراج، ومن بيت عمها الذي حلّت ضيفة عليه - بعد أن أبت أن يكون وصولها إلى أرض الأحلام عن طريق الزواج من مهاجر - إلى بيت صديقة مقرّبة لأسرة عمها، بعد أن قررت الرحيل من أمريكا (مبين البلاد طلبت أهلها) كما عبّرت زوجة عمها باللهجة الفلسطينية التي استخدمتها الكاتبة.
ومن خلال يوميات نسرين هناك في شيكاغو، ستدرك أيها القارئ العزيز أن الحياة في أرض الأحلام باهظة التكاليف، وأن المغتربين الذين ظنوا بأنهم في أرض الأحلام، مطالبون باللهاث وراء الرزق لمواجهة مطالب المعيشة، وبالكفاح للحفاظ على الهوية واللغة، وأحياناً بالتحايل عبر الزواج من أجنبية للبقاء في أرض الأحلام.
وفي رحلة هروب نسرين (هناك في شيكاغو)، ستمنحك الرواية نفحات من الأمل، وقوة الإرادة، والإيجابية، والإصرار، وذلك من خلال ردود أفعال نسرين تجاه العقبات التي تواجهها، على الرغم من الصراع الداخلي الذي عايشته، ومشاعر الضعف الإنساني التي تعيشها في الغربة عن الوطن الأم، وكذلك عن الأردن التي شهدت ذكرياتها مع أسرتها، فرغم كل هذا، إلا أنها كانت تبث الأمل في نفوس الآخرين، وقد عبّرت عن هذا قائلة: (حاولت زرع الأمل والتفاؤل في قلب حنين، ولكنني شعرت بانقباض في صدري. كم نحن بارعون في إسداء النصائح لغيرنا، ونحن أكثر الناس حاجة إليها)!.
وبين حين وآخر ستجوب نسرين بك ايها القارئ شوارع المدينة، التي وصفتها بأنها (مدينة الجمال، وحضن الاختلاف.. أيتها المدينة الجميلة العاشقة، التي احتضنت أحلامي وأوجاعي وآلامي، واتسع صدرها لي بحجم السماء)، وكأنها لم تسمح لمشاعر الغربة والألم أن تشوّه رؤيتها لجمال المدينة، بل كانت تملك عين فاحصة تمد القارئ بوصف دقيق للمباني والشوارع ونبذة عن المهندسين المعماريين، فنسرين عاشقة للفن المعماري وأيضا الموسيقى ومدى تأثيرها في البشرية الذي عبرت عنه قائلة: (الموسيقى لغة عالمية، تترجمها مشاعرنا وأحاسيسنا)، (الموسيقى لا تعرف طريقاً للعنصرية).
وكالعادة، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فجأة، تحدث تفجيرات 11 سبتمبر، التي تلقي بظلالها على المدينة، بل على العالم، وتصوّر نسرين معاناة المسلمين من جراء هذا الحدث العظيم وتتساءل: ما ذنب هؤلاء الأبرياء في هذه التفجيرات التي لا تمتّ بصلة إلى الإسلام والإنسانية،.
وعلى الرغم من كل مشاعر الانتماء للوطن التي تنعكس على حوارات نسرين الداخلية ومع الآخرين، إلا أن قدرتها على التعايش انعكست على طبيعة علاقتها بالشخصيات التي كانت تنتمي الى جنسيات وأعراق وأديان متباينة، فقد كانت ترى، كما عبّرت (لا عنصرية في الحب، القلوب جميعها تنبض)، وحتى أثناء تداخل حوار نسرين مع السيدة اليهودية مع حوارها الداخلي المفعم بمشاعر الغضب من احتلال وطنها، فقد قررت أن تنحّي السياسة جانباً بعيداً عن العلاقات الإنسانية، وعلقت قائلة: (إنها السياسة اللعينة، التي جعلت من الناس آلات بشرية ميتة المشاعر).
عزيزي القارئ، لن تلهث في الرواية وراء حبكة درامية تتصاعد فيها الأحداث، بل يوميات تجسّد لك الرتابة والجهد للإقامة في أرض الأحلام، لكن الكاتبة ستنجح في تجسيد قوة الإرادة للمرأة الفلسطينية التي تمثلها نسرين، والتي عايشتها ورأيتها أنا أيضا في صديقتي الفلسطينية ونحن معاً في مرحلة الدراسات العليا، فسيظل التاريخ ينحني أمام قوة المرأة الفلسطينية وصلابتها، فكانت صورة المرأة العربية هناك في شيكاغو، بعيدة كل البعد عن الصورة التي نراها في معظم الروايات والأفلام التي رسّخت ـ للأسف ـ صورة مسيئة للمرأة العربية في الخارج، فنماذج المرأة العربية هناك في شيكاغو هي المكافحة التي تشارك زوجها العمل، وتجتهد بكل الوسائل لتتماسك الأسرة، وتتمسك بجذورها العربية من خلال تفاصيل صغيرة، كانت المأكولات هي بطلتها، وكذلك الحوارات التي جاءت باللهجة الفلسطينية، فأشعرت القارئ بالحميمية.
ولن تجد عزيزي القارئ أمراً مثيراً للدهشة في الرواية، سوى لغز من هو النحاس الذي تسأل عنه صديقة زوجة عمها؟ لتكتشف مع نهاية الرواية، أنه والد ثائر، الذي ما زال حبه مشتعلاً في قلبها، والذي أشيع عنه أنه كان خائناً لوطنه، وهنا تدرك سبب رفض والدها له، وتقع في صراع عنيف بين حبها لثائر المناضل للاحتلال وبين العار الذي ورثه عن والده الخائن للوطن، عبرت عنه قائلة: (فما أصعب المواقف التي يصعب البتّ فيها، كيف أقترن بشخص يحمل اسم العار؛ ابن الخائن الجاسوس بائع الذمة والأرض؟!).. وينتهي هذا الصراع بمعرفتها ان والد حبيبها لم يكن خائنا، بل هي دسيسة من المحتل.
وتنتهي الرواية بانتهائها من دراسة الماجستير، الذي لم تكن تسعى إلى نيله، وتقرر العودة من شيكاغو إلى الأردن، وهي تقول: (سأعود يوماً ما لزيارة هذه المدينة).
انتهيت من الرواية لأجد نفسي وأنا أتساءل: هل يحتل الوطن موقعاً جغرافياً على خارطة العالم، أم أنه مكانٌ وزمانٌ يحتل ما شاء من مساحات على خارطة القلوب؟.. وأتعجب: مَنْ يحيا داخل مَنْ، الوطن هو مَنْ يحيا فينا، أم نحن مَنْ نحيا داخل الوطن، أم أننا نبعد عن أرض الوطن جسداً، ونبقى فيه روحاً وفكراً، حُباً وانتماءً وولاءً؟!.
تعليقات