لم تكن هذه المباراة -حسب شبكة «The Athletic»- من النوع الذي يسمح للاعبين المخضرمين بإدارة إيقاعهم بهدوء، أو التجول في الملعب انتظاراً للحظة المناسبة، كما اعتاد ميسي وصلاح في السنوات الأخيرة مع تقدمهما في العمر.
ورغم التساؤلات التي سبقت اللقاء حول جاهزية صلاح البدنية، فإن قائد مصر خاض المباراة بطاقة هائلة ورغبة لا تتوقف، وكان أحد أبرز أسباب اقتراب المنتخب المصري من تحقيق واحدة من أكبر المفاجآت في تاريخ الأدوار الإقصائية لكأس العالم. ولكن في المقابل، رفض ميسي الاستسلام، وقاد الأرجنتين للعودة من تأخرها بهدفين إلى انتصار بدا مستحيلاً قبل دقائق قليلة من النهاية.
أهدر ميسي ركلة جزاء في الشوط الأول، ولكنه وجد القوة الذهنية للعودة وتسجيل هدف التعادل، بعدما كانت الأرجنتين متأخرة بهدفين، قبل 11 دقيقة فقط من نهاية الوقت الأصلي. ورغم أنه سبق أن أهدر أيضاً ركلة جزاء أمام النمسا، فإنه لا يزال يتصدر قائمة هدافي البطولة برصيد 8 أهداف.
ولم يقتصر تأثير صلاح على أدائه الفردي؛ بل امتد إلى قيادة منتخب مصر في أهم رحلة عرفتها الكرة المصرية على الإطلاق. فالمنتخب الذي دخل البطولة وهو يحمل سجلاً تاريخياً يخلو من أي انتصار في كأس العالم، خرج منها بعدما حقق أول فوز في تاريخه، وتأهل من دور المجموعات للمرة الأولى، ثم تجاوز دور الـ32 لأول مرة أيضاً، ووقف على بعد دقائق قليلة من بلوغ الدور ربع النهائي.
وكان صلاح صاحب الهدف الذي منح مصر الفوز التاريخي على نيوزيلندا، وهو الانتصار الذي فتح الباب أمام كتابة فصل جديد في تاريخ المنتخب. ثم واصل لعب دور البطولة أمام أستراليا في دور الـ32، عندما تقدم لتنفيذ إحدى ركلات الترجيح، واختار تسديدها بطريقة «بانينكا»، في قرار حمل قدراً هائلاً من الجرأة.
هذا التصريح فتح باب التكهنات حول اقتراب نهاية مسيرته الدولية، ولكن الواقع يبدو أكثر تعقيداً. فصلاح يعلم أنه سيكون في الـ37، مقترباً من الـ38، عندما تنطلق بطولة كأس العالم 2030، كما يدرك أن تأهل مصر إلى النسخة المقبلة ليس مضموناً بأي حال.
وأعادت مواجهة ميسي في أتلانتا أيضاً التذكير بالمكانة العالمية التي يحتلها صلاح في كرة القدم. فقد بلغ الـ34 الشهر الماضي، وهي السن نفسها تقريباً التي غادر فيها ميسي برشلونة.
لكن الفارق الرقمي كان واضحاً أيضاً؛ إذ أنهى ميسي موسمه الأخير مع برشلونة مسجلاً 38 هدفاً، بينما اكتفى صلاح بإحراز 12 هدفاً فقط في موسمه الأخير مع ليفربول، وهو ما جعل قرار النادي الإنجليزي أسهل بكثير.
وكانت متابعة ميسي خلال البطولة متعة كروية خالصة، بينما لم يظهر صلاح بالحرية نفسها داخل الملعب، ولكنه عوَّض ذلك بقيادة استثنائية، سواء داخل المستطيل الأخضر أو في تعامله مع زملائه. أما رونالدو، فرغم استمراره في القتال حتى سن الـ41، فإن جهوده لم تكن كافية لقيادة البرتغال إلى إنجاز لم تحققه من قبل.
ولهذا نجح ليونيل سكالوني مع الأرجنتين، كما نجح حسام حسن مع مصر، في إيجاد البيئة المثالية لميسي وصلاح، بعدما منحا مهاجماً صريحاً يتحمل الجزء الأكبر من الصراعات البدنية، بينما يتحرك النجمان بحرية خلفه، في رسم أقرب إلى 4-4-2.
وعلى النقيض من ذلك، بقي رونالدو مع البرتغال محور الهجوم الوحيد، فأصبح الهدف الأول للمدافعين، ونجحت المنتخبات القوية في تضييق المساحات عليه بسهولة أكبر.
وتوضح هذه المقارنة أيضاً السبب الذي يجعل انتقال صلاح إلى أحد كبار أوروبا في المرحلة المقبلة يبدو أقل احتمالاً. فكُرة القدم الأوروبية أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الضغط المستمر، والركض المكثف، وكثافة لاعبي الوسط، بينما يبحث أغلب المدربين عن مهاجمين يشاركون بقوة في الواجبات الدفاعية. وفي مثل هذه البيئة تقل المساحات المتاحة للاعبين الذين لا يعتمدون أساساً على الضغط المتواصل، مهما بلغت موهبتهم، إلا إذا كانوا استثنائيين إلى درجة تفرض تغيير المنظومة من أجلهم.
وقبل تجديد عقده مع ليفربول عام 2025، كان وكيل أعماله رامي عباس قد درس إمكانية انتقاله إلى الدوري الأميركي، ولكن يبقى السؤال مطروحاً اليوم حول ما إذا كانت المستويات التي قدمها صلاح خلال كأس العالم المقامة في الولايات المتحدة ستكون كافية لإقناع المستثمرين هناك بتقديم عرض يضاهي ما يمكن أن تقدمه الأندية السعودية.
أما إذا بقي في أوروبا، فإن أفضل فرصة لمشاهدة صلاح مجدداً في أعلى مستويات المنافسة قد تكون بقميص منتخب مصر.
فالمنتخب المصري ينتظر بطولتَي كأس أمم أفريقيا: الأولى الصيف المقبل، والثانية في عام 2028، ومن الصعب تصور أن صلاح سيقرر إنهاء مسيرته الدولية قبل خوض هذين التحديين؛ خصوصاً أن هذا الجيل يبدو أقرب من أي وقت مضى لإعادة الكأس القارية إلى مصر لأول مرة منذ بداية مسيرته الاحترافية.
فعندما كانت مصر متقدمة بهدف دون رد، تدخلت تقنية حكم الفيديو المساعد لإلغاء هدف ثانٍ كان سيُحسب بعد تمريرة ساحرة من صلاح، ويُحرم القائد المصري من صناعة هدف جديد. وبعد دقائق، وقبل هدف الأرجنتين الثالث مباشرة، بدا أن صلاح تعرض لعرقلة داخل منطقة الجزاء، ولكن الحكم لم يحتسب شيئاً.
ولو احتُسبت ركلة الجزاء، لما كان هناك أي جدل حول هوية منفذها، وبالنظر إلى سجل صلاح المميز في تنفيذ الركلات، كان من الممكن أن تتغير نهاية المباراة بالكامل.

أكتب تعليقك هتا